الأربعاء، 10 أبريل، 2013

الروح القدس والمسيح عند النصارى



علمنا فيما سبق حقيقة الروح في الكتاب والسنة وفي العهد القديم وفي العهد الجديد ، وأنه ورد ذكرها فيها مضافة إلى الله ، وإلى القدس ، وبدون إضافة ، وأنها قد تكون المراد منها الوحي الإلهي ، أو القوة والثبات والنصرة التي يؤيد الله بها من يشاء من عباده المؤمنين ، أو جبريل ـ عليه السلام ـ أو المسيح ـ عليه السلام ـ حسب مناسبة ورودها في التوراة والإنجيل والقرآن ، التي تقدم ذكر شواهد منها للدلالة على ذلك .
وفي هذا المبحث سيكون الحديث ـ إن شاء الله ـ في الرد على اعتقاد النصارى أن الروح القدس غير جبريل ـ عليه السلام ـ وعلى اعتقادهم خصوصية حلول الروح القدس على المسيح وعلى المؤمنين من أتباعه وأنه يلهمهم ، وبيان ذلك فيما يأتي :
المطلب الأول : جبريل والروح القدس :
يعتقد النصارى أن ملاك الله جبريل ـ عليه السلام ـ غير الروح القدس ، ويستدلون على الفرق بينهما ببعض النصوص من كتابهم المقدس ، التي تذكر ملاك الله جبريل أنه يأتي بالبشارة لمن يرسله الله إليهم ، وأنهم بعد هذه البشارة يحل عليهم الروح القدس ، وهذا هو دليلهم على الفرق بينهما .
واستناداً على هذا الفرق بينهما فإن جبريل في تعريفهم هو : (( ملاك ذي رتبة رفيعة ، أرسل ليفسر رؤيا لدانيال ، وبعث مرة في زيارة لنفس النبي ليعطيه فهماً ، وليعلن له نبوة السبعين أسبوعاً ، وقد أرسل إلى أورشليم ليحمل البشارة لزكريا في شأن ولادة يوحنا المعمدان ، وأرسل أيضاً إلى الناصرة ليبشر العذراء مريم بأنها ستكون أماً للمسيح ، وقد وصف جبرائيل نفسه بأنه واقف أمام الله )) .
ومن النصوص التي ذكرت بشارة ملاك الله جبريل لمن أرسله الله إليهم ، ثم حلول روح القدس عليهم ، بشارة جبريل لزكريا بميلاد يوحنا وقوله له : (( ومن بطن أمه يمتلئ من الروح القدس )) ، وبشارة جبريل لمريم بميلاد المسيح وقوله لها : (( الروح القدس يحل عليك )) ، وحينما قامت مريم بزيارة إليصابات زوجة زكريا وسلمت عليها : (( فلما سمعت إليصابات سلام مريم ارتكض الجنــين في بطنها ، وامتلأت إليصــابات من الروح القدس )) ، وكذلك زكريا : (( وامتلأ زكريا أبوه من الروح القدس )) .
فهذه النصوص من أدلتهم على الفرق بين جبريل والروح القدس ، ثم بعد حين من الزمن اعتقدوا ألوهيته وقالوا في قانون إيمانهم إنه : (( الرب المحيي المنبثق من الآب ، المسجود له والممجد مع الآب والابن ، الناطق في الأنبياء )) ، واستدلالهم بتلك النصوص مخالف لصريح المعقول وصحيح المنقول ، وبيان ذلك :
1 ـ أن الروح القدس في عقيدتهم هو الإله الذي حبلت منه العذراء مريم ببشارة جبريل لها لتلد المسيح (الابن) ، فالأقنوم الثالث حل في بطن مريم لتلد الأقنوم الثاني (الابن) .
وهذا الاعتقاد ظاهر البطلان ؛ إذ كـيف يكون الروح القـدس جبريل ـ عليه السلام ـ وهو أحد الملائكة المخلوقين من الله ـ كما عرفنا حقيقته ـ يبشر مـريم الإنسان المخلوق ، بحلول الإله الروح القدس عليها ، لتلد الإله المسيح ، فهـذا يتنافى مع مقام الإله سبحانه وتعالى الذي له الخلق والأمر ، وهذا افتراء على الله ، تعـالى الله عن قولهم .
2 ـ ثم ـ على فرض صحة قولهم ـ كيف يتجسد الإله الأعلى الأقنوم الثاني وهو المسيح ، من الإله الأدنى الأقنوم الثالث وهو الروح القدس ، في بطـن الإنسـان المخلوق مريم ، وهـذا أيضاً من الافتراء والقول على الله وعلى رسـله وملائكته بغير علم
3 ـ كما أن الروح القدس الإله ـ على زعمهم ـ هو الذي حل في أناس مختارين لكتابة الوحي الإلهي ، فكيف يكون الوحي الإلهي من الله الأب ، إلى الله الروح القدس ، ومن ثم إلى أناس مختارين ؟ وهذا أيضاً من التناقض والافتراء .
4 ـ كما أن في الإنجيل أن أبا يحيى امتلأ من الروح القدس : (( وامتلأ زكريا أبوه من الروح القدس )) , وكذلك أم يحيى حين زارتها مريم أم المسيح وسلمت عليها : (( فلما سمعت إليصابات سلام مريم ارتكض الجنين في بطنها ، وامتلأت إليصابات من الروح القدس )) ، فهل يعني هذا أن الروح القدس ، وهو الإله ـ حسب عقيدتهم ـ حل أيضاً في هؤلاء ؟ تعلى الله عن قولهم .
5 ـ وإذا كان الروح القدس الإله في عقيدتهم ، له كل هذه الأفعال والأعمال ، فما هي فائدة وجود إله ثان هو المسيح ، وما هو أثره في حياتهم ؟ أليس من الواجب على النصارى حينئذ أن يتوجهوا في دعائهم إلى الروح القدس بدلاً من المسيح الذي على زعمهم : (( صعد إلى السموات وجلس عن يمين الأب )) ، والذي على زعمهم أيضاً : (( يأتي في مجده ليدين الأحياء والأموات الذي ليس لملكه انقضاء )) ، وزعمهم هذا يخالف صريح المعقول ، وصحيح المنقول ، فالمسيح ـ عليه السلام ـ أمرهم أن يتوجهوا في صلاتهم إلى الله وحده الذي له الملك والقـوة والمجد إلى الأبد ، قال عليه السلام :(( فصلوا أنتم هكذا : أبانا الذي في السموات ، ليتقدس اسمك ، ليأت ملكوتك ، لتكن مشيئتك ، كما في السماء كذلك على الأرض ، خبزنا كفانا اعطنا اليوم، واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن للمذنبين إلينا، ولا تدخلنا في تجربة، لكن نجنا من الشرير ، لأن لك الملك والقوة والمجد إلى الأبد آمين )) .
ثم قال لهم المسيح : (( فإنه إن غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أيضاً أبوكم السماوي، وإن لم تغفروا للناس زلاتهم لا يغفر لكم أبوكم أيضاً زلاتكم )) ، وفي الإنجيل : (( ونعـلم أن الله لا يسمع للخطاة ، ولكن إن كان أحـد يتقي الله ويفعـل مشيئته فلهذا يسمع )) ، وقال المسيح عليه السلام : (( ليس كل من يقول لي يارب يا رب يدخل ملكوات السموات ، بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السموات )) .
هذه النصوص وغيرها ، تفيد أن المسيح ـ عليه السلام ـ كان يأمر تلاميذه بالتوجه إلى الله في الصلاة وطلب المغفرة ؛ لأن الله لا يستجيب لأحد مالم يتقه ويفعل مشيئته ، ولا أحد يدخل ملكوت السموات ما لم يفعل إرادة الله وحده .
ولو كان المسيح نفسه ، أو الروح القدس ، لهم شيء من هذه الصفات الإلهية ، لكان المسيح أولى بها من الروح القدس ، فكيف وأن المسيح نفسه يأمر تلاميذة وكل المؤمنين به أن يكون توجههم لله دون سواه ، قال المسيح عليه السلام : (( لأنه مكتوب للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد )) ، وقال أيضاً : (( وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ، ويسوع المسيح الذي أرسلته ، أنا مجدتك على الأرض ، العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته )) .
فالمسيح ـ عليه السلام ـ عبد الله ورسوله ، وكذلك الروح القدس هو ملاك الله جبريل ـ عليه السلام ـ فهو رسول الله بالوحي للأنبياء ، وبالنصر والتأييد لهم ولغيرهم من أولياء الله الصالحين ، كما تبين لنا ذلك عند الحديث عن حقيقة الروح القدس .
6 ـ كما أن في قولهم في قانون إيمانهم : إن الروح القدس الرب المحيي المنبثق من الآب ـ حسب عقيدة الارثوذكس ـ أو المنبثق من الأب والابن ـ حسب عقيدة الكاثوليك والبروتستانت ـ قولهم هذا فيه تناقض واضطراب ، فكيف يكون الروح القدس رباً محيياً وهو منبثق من موجد الحياة وهو الله سبحانه وتعالى ، أو منبثقاً من الآب والابن ، والابن ـ حسب زعمهم ـ مولود من الآب ، ومعلوم أن الابن متأخراً عن وجود الآب ، وهذا يعني أن الانبثاق من الابن جاء متأخراً ، فهل هذا الانبثاق جاء على مرحتلين ـ هذا على فرض صحة معتقدهم ـ الواقع أنهم لن يجيبوا على ذلك بأفضل مما جاء في قانون إيمانهم المقدس .
7 ـ ثم إن الروح القدس المنبثق من الآب ، أو من الآب والابن ، والابن هو المسيح عندهم مولود من الآب ، فهل الانبثاق والولادة شيء واحد أم يختلفان ؟ ، وهم لن يقولوا إن المسيح مولود من الآب ولادة تناسلية من الله ، ولا يعتقدون ذلك ، بل سيقولون إن الولادة روحية ، لأن المسيح ـ حسب أعتقادهم ـ هو الكلمة التي خرجت من الذات ـ وهو الله ـ فصارت الكلمة ابناً للذات ، وصارت الذات أباً للكلمة ، وصارت كلاً مـن الذات والكلمة أقنوماً قائماً بـذاته ، يـدعى الأول الله الأب ، ويـدعى الثاني الله الابن .
والروح القدس ـ عندهم ـ يمثل عنصر الحياة في الثالوث المقدس ، ويعتبر أقنوماً قائماً بذاته ، وإلهاً مستقلاً بنفسه ، والثالوث المقدس ثلاثة أقانيم هي : الذات والنطق والحياة ، فالذات هو الله الآب ، والنطق أو الكلمة هو الله الابن، والحياة هي الله الروح القدس ، ويعتقدون أن الذات والد النطق أو الكلمة ، والكلمة مولودة من الذات ، والحياة منبثقة من الـذات أو من الذات والكلـمة على خـلاف بين الكنـائس .
ويتضح أنه لا يوجد فرق بين معنى الانبثاق ، ومعنى الولادة ، إذا كانت روحية ، فكلاهما : الابن ـ وهو الكلمة ـ مولود من الله ، والروح القدس ـ وهو الحياة ـ منبثق من الله ، فيلزم أن يكون الابن والروح القدس أخوين ، وأن الله أبوهما ، تعالى الله وتقدس عن ذلك .
يقول ابن تيمية رحمه الله : (( فقولهم : المنبثق من الآب الذي هو مسجود له وممجد ، يمتنع أن يقال هذا في حياة الرب القائمة به ، فإنها ليست منبثقة منه كسائر الصفات ، إذ لو كان القائم بنفسه منبثقاً لكان علمه وقدرته ، وسائر صفاته منبثقة منه ، بل الانبثاق في الكلام أظهر منه في الحياة فإن الكلام يخرج من المتكلم ، وأما الحياة فلا تخرج من الحي ، فلو كان في الصفات ما هو منبثق لكان الصفة التي يسمونها الابن ، ويقولون : هي العلم والكلام أو النطق والحكمة أولى بأن تكون من الحياة التي هي أبعد عن ذلك من الكلام ، وقد قالوا أيضاً : إنه مع الآب مسجوداً له وممجد ، والصفة القائمة بالرب ليست معه مسجوداً لها ، وقالوا : هو ناطق في الأنبياء وصفة الرب القائمة به لا تنطق في الأنبياء ، بل هذا كله صفة روح القدس الذي يجعله الله في قلوب الأنبياء ، أو صفة ملك من الملائكة كجبريل ، فإذا كان هذا منبثقاً من الأب ، والانبثاق الخروج ، فأي تبعيض وتجزئة أبلغ من هذا . وإذا شبهوه بانبثاق الشعاع من الشمس كان هذا باطلاً من وجوه ، منها : أن الشعاع عرض قائم بالهواء والأرض ، وليس جوهراً قائماً بنفسه ، وهذا عندهم حي مسجود له ، وهو جوهر . ومنها : أن ذلك الشعاع القائم بالهواء والأرض ليس صفة للشمس ، ولا قائماً بها وحياة الرب صفة قائمة به . ومنها : أن الانبثاق خصوا به روح القدس ، ولم يقولوا في الكلمة إنها منبثقة ، والانبثاق لو كان حقاً لكان الكلام أشبه منه بالحياة ، وكلما تدبر أجهل العقلاء كلامهم في الأمانة وغيرها وجد فيه من التناقض والفساد ما لا يخفى على العباد ، ووجد فيه من مناقضة التوراة والإنجيل ، وسائر كتب الله ما لا يخفى على من تدبر هذا وهذا ، ووجد فيه من مناقضة صريح المعقول ما لا يخفى إلا على معاند أو جهول ، فقولهم متناقض في نفسه ، مخالف لصريح المعقول ، وصحيح المنقول عن جميع الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم وسلامه أجمعين )) .
المطلب الثاني : المسيح والروح القدس :
ثبت ـ كما علمنا ـ بالأدلة الصريحة ، أن الروح القدس هو جبريل ، وجبريل هو الروح القدس ، وعليه فإن زعم النصارى حلول الروح القدس على المسيح وحلوله على الملهمين من أتباعه دون سواهم باطل ، وبيان ذلك :
1 ـ أنه قد ثبت بالأدلة الصريحة ، أن الروح القدس هو ملاك الله الذي ينزل بالوحي الإلهي ، وهو الذي يؤيد الله به أنبياءه ورسله ، ومن يشاء من عباده وأوليائه الصالحين وأهل التوراة وهم اليهود يعلمون أن روح القدس هو جبريل عليه السلام : (( ولكنهم تمردوا وأحزنوا روح قدسه ، فتحول لهم عدواً وهو حاربهم )) ، لذلك حرصوا على سؤال الأنبياء عن الروح الذي يأتي بالوحي من السماء ، فإن كان جبريل أعرضوا عن النبي ولم يسمعوا دعوته ، وقد سبق الحديث في بيان عداوتهم له وعن سؤالهم النبي صلى الله عليه وسلم ، عن الذي يأتيه بالوحي ، فلما أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه جبريل ، قالوا : ذاك الذي ينزل بالحرب وبالقتال ، ذاك عدونا ، لو قلت : ميكائيل الذي ينزل بالقطر والرحمة تابعناك ، فأنـزل الله تعالى : (( قل من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك )) إلى قوله : (( فإن الله عـدو للكافرين )) .
2 ـ أن جبريل عليه السلام هو روح الله الذي جاء في الإنجيل أن مريم : (( وجدت حبلى من الروح القدس )) ، وهو العلامة التي عرف بها يحيى عليه السلام المسيح أنه يرى : (( الروح القدس نازلاً ومستقراَ عليه )) ، وهو الذي أخبر الله عنه أنه أيد به المسيح عليه السلام ، قال تعالى : (( وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس )) ، وقوله تعالى: (( إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس )) ، وهو الذي بأمر الله نفخ الروح في مريم ، قال تعالى : (( والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها مـن روحنا وجعـلناها وابنها آية للعالمين )) .
وهو أيضاً الذي نزل بالوحي على النبي صلى الله عليه وسـلم ، قال تعـالى: (( قل نزله روح القدس من ربك بالحق )) ، وقوله تعالى : (( نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين )) ، وغير ذلك من الأعمال التي أوكل الله بها جبريل عليه السلام ، كما تقدم بيان ذلك .
3 ـ أن الروح القدس يسمى أيضاً روح الله ، ويسمى الروح ـ بـدون إضافة ـ ورد ذكر ذلك في التوراة والإنجيل والقرآن :
1. ففي التوراة أنه يهب القوة : (( فكان عليه روح الرب وقضى لإسرائيل وخرج للحرب )) ، وجاء أيضاً : (( فحل عليه روح الرب فشقه كشق الجدي وليس في يده شيء )) ، وجاء أيضاً : (( وحل عليه روح الرب فنزل إلى أشقلون وقتل منهم ثلاثين رجلاً وأخذ سلبهم )) ، وأنه يهب الحكمة والفهم والمعرفة : (( وملأته من روح الله بالحكمة والفهم والمعرفة وكل صنعة )) ، وأنه يهـب قلباً جديداً وروحاً جديداً : (( وأعطيكم قلباً جديداً وأجعل روحاً جـديداً في داخـلكم ... وأجعل روحي في داخلكم وأجعلكم تسلكون في فرائضي وتحفظون أحكامي وتعملون بها)) ، وغير ذلك من النصوص .
2. كما جاء في الإنجيل أن الروح القدس مؤيد للمسيح في دعـوته ومعجزاته ، إذ جاء فيه : (( وأما يسوع فرجع من الأردن ممتلئاً من الروح القدس ، وكان يقتاد بالروح في البرية )) ، وجاء فيه : (( ورجع يسوع بقوة الروح إلى الجليل... وكان يعلم في مجامعهم )) ، ويقول المسيح عليه السلام : (( روح الرب عليَّ لأنه مسحني لأبشر المساكين ، أرسلني لأشفي المنكسري القلوب )) ، وأن الروح هو الذي أيد المسيح في إجراء المعجزات ، ففي سفر أعمال الرسل : (( يسوع الذي من الناصرة كيف مسحه الله بالروح القدس والقوة الذي جال يصنع خيراً ويشفي جميع المتسلط عليهم إبليس لأن الله كان معه )) ، فالروح القدس في هذه النصوص هي القوة التي أيَّد الله بها المسيح ـ عليه السلام ـ والتي استطاع بها صنع المعجزات وشفاء الأمراض ، وهذه القوة العلوية التي تسمى الروح القدس ليست قوة مادية منظورة ، وليست إلهاً قائماً بذاته ـ كما يعتقد النصارى ـ وإنما هي قوة روحية قدسية من لدن الله تعالى ، كما أيد بها من سبقه من أنبيائه ورسله وأوليائه الصالحين ، وهذا هو المعنى الذي دل عليه قول المسيح عليه السلام : (( إن كنت أنا بروح الله أخرج الشياطين فقد أقبل عليكم ملكوت الله )) ، فالمسيح ـ عليه السلام ـ يشفي الأمراض ويخرج الشياطين بروح الله ، أي بقوة من الله، ولا يتصور أحد أن روح الله التي يقصدها المسيح هنا هي الله ذاته ، أو أنها جزء من الله .
كما جاء في الإنجيل أن المسيح ـ عليه السلام ـ أخبر تلاميذه أن روح الله يهب القوة والتأييد فقال : (( وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزياً آخر ليمكث معكم إلى الأبد ، روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه )) ، وأنه يهب العلم : (( وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم )) ، وأنه الذي يلهم للحق : (( لأن لستم أنتم المتكلمين بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم )) ، وأنه يجب الإيمان به وعدم الكفر به : (( لذلك أقول لكم كل خطية وتجديف يغفر للناس ، وأما التجديف على الروح فلن يغفر للناس ، ومن قال كلمة على ابن الإنسان يغفر له ، وأما من قال على الروح القدس فلن يغفر له لا في هذا العالم ولا في الآتي )) .
فهذه النصوص من التوراة والإنجيل تفيد أن حلول الروح القدس ليس خاصاً بالمسيح ـ عليه السلام ـ ولا بمن يزعم النصارى أنه يلهمهم ويحل عليهم ، وإنما الروح هو الذي يؤيد الله به من يشاء من عباده ، وهذا دليل على أن الروح ليس إلهاً كما يعتقد النصارى ، وإنما هو ملاك من ملائكة الله ، وهو جبريل عليه السلام .
3. كما جاء في القرآن الكريم ما يصدق ما جاء في الكتب الإلهية السابقة عن حقيقة الروح القدس ، وصفاته ، والأعمال الموكولة إليه ـ كما سبق الاستشهاد بهذه الآيات في مواضع سابقة ، كما ثبت في السنة النبوية ، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال لحسان بن ثابت : (( إن روح القدس معك ما دمت تنافح عن نبيه )) ، وقوله : (( اللهم أيده بروح القدس )) ، ويستشهد ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في هذا الحديث على عدم خصوصية المسيح بتأييد الروح القدس له دون سواه ، فيقول : (( فهذا حسان بن ثابت واحد من المؤمنين لما نافح عن الله ورسوله ، وهجا المشركين الذين يكذبون الرسول أيده الله بروح القدس وهو جبريل عليه السلام ، وأهل الأرض يعلمون أن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يكن يجعل اللاهوت متحداً بناسوت حسان بن ثابت ، فعلم أن إخباره بأن الله أيده بروح القدس لا يقتضي اتحاد اللاهوت بالناسوت ، فعلم أن التأييد بروح القدس ليس من خصائص المسيح ، وأهل الكتاب يقرون بذلك ، وأن غيره من الأنبياء كان مؤيداً بروح القدس ، كداود وغيره ، بل يقولون : إن الحواريين كانت فيهم روح القدس ، وقد ثبت باتفاق المسلمين واليهود والنصارى أن روح القدس يكون في غير المسيح ، بل في غير الأنبياء )) .
كما بين ابن تيمية ـ رحمه الله ـ بعد أن ذكر قول داود عليه السلام :
(( وروح قدسك لا تنزعه مني )) ، عدم خصوصية الروح القدس بالمسيح عليه السلام فقال : (( هذا دليل على أن روح القدس التي كانت في المسيح من هذا الجنس ، فعلم بذلك أن روح القدس لا تختص بالمسيح ، وهم يسلمون ذلك ، فإن ما في الكتب التي بأيديهم في غير موضع أن روح القدس حلت في غير المسيح ، في داود ، وفي الحواريين ، وفي غيرهم ، وحينئذٍ فإن كان روح القدس هو حياة الله ، ومن حلت فيه يكون لاهوتاً ، لزم أن يكون إلهاً ، لزم أن يكون كل هؤلاء فيهم لاهوت وناسوت كالمسيح ، وهذا خلاف إجماع المسلمين والنصارى واليهود ، ويلزم من ذلك أن يكون المسيح فيه لاهوتان : الكلمة ، وروح القدس ، فيكون المسيح من الناسوت : أقنومين أقنوم الكلمة ، وأقنوم روح القدس ، وأيضاً فإن هذه ليست صفة لله قائمة به ، فإن صفة الله القائمة به ، بل وصفة كل موصوف لا تفارقه وتقوم بغيره ، وليس في هذا أن الله اسمه روح القدس ، ولا أن حياته اسمها روح القدس ، ولا أن روح القدس الذي تجسد منه المسيح ، ومن مريم هو حياة الله سبحانه وتعالى ، وأنتم قلتم : إنَّا معاشر النصارى لم نسمه بهذه الأسماء من ذات أنفسنا ، ولكن الله سمى لاهوته بها ، وليس فيما ذكرتموه عن الأنبياء أن الله سمى نفسه ، ولا شيئاً من صفاته روح القدس ، ولاسمى نفسه ولا شيئاً من صفاته ابناً ، فبطل تسميتكم لصفته التي هي الحياة بروح القدس، ولصفته التي هي العلم بالابن . وأيضاً فأنتم تزعمون أن المسيح مختص بالكلمة والروح ، فإذا كانت روح القدس في داود عليه السلام والحواريين وغيرهم بطل ما خصصتم به المسيح ، وقد علم بالاتفاق أن داود عبد الله عز وجل ، وإن كانت روح القدس فيه ، وكذلك المسيح عبد الله وإن كانت روح القدس فيه ، فما ذكرتموه عن الأنبياء ، حجة عليكم لأهل الإسلام ، لا حجة لكم )) .
ويدل أيضاً على عدم خصوصية الروح القدس بالمسيح ـ عليه السلام ـ ولا بغيره ، أن النصارى يقرون أن الروح القدس ناطق في الأنبياء ، إذ قالوا في قانون إيمانهم المقدس : (( الناطق في الأنبياء )) ، ويسمى ـ في زعمهم ـ حياة الله ، وإذا كان كذلك فهذا باطل ، إذ يقول ابن تيمية ـ رحمه الله ـ : (( وحياة الله صفة قائمة به لا تحل في غيره ، وروح القدس الذي تكون في الأنبياء والصالحين ليس هو حياة الله القائمة به ، ولو كان روح القدس الذي في الأنبياء هو أحد الأقانيم الثلاثة لكان كل من الأنبياء إلهاً معبوداً قد اتحد ناسوته باللاهوت كالمسيح عندكم ، فإن المسيح لما اتحد به أحد الأقانيم صار ناسوتاً ولاهوتاً ، فإذا كان روح القدس الذي هو أحد الأقانيم الثلاثة ناطقاً في الأنبياء كان كل منهم فيه لاهوت وناسوت كالمسيح ، وأنتم لا تقرون بالحلول والاتحاد إلا للمسيح وحده مع إثباتكم لغيره ما ثبت له ))
وقال ـ رحمه الله ـ في موضع آخر : (( وهم إما أن يسلموا أن روح القدس في حق غيره ليس المراد بها حياة الله ، فإذا ثبت أن لها معنى غير الحياة ، فلو استعمل في حياة الله أيضاً لم يتعين أن يراد بها ذلك في حق المسيح ، فكيف ولم يستعمل في حياة الله في حق المسيح ، وأما أن يدعوا أن المراد بها حياة الله في حق الأنبياء والحواريين ، فإن قالوا ذلك لزمهم أن يكون اللاهوت حالاً في جميع الأنبياء والحواريين ، وحينئذٍ فلا فـرق بين هـؤلاء وبين المسيح )) .
وبهذا يتبين حقيقة الروح القدس وأنه جبريل ـ عليه السلام ـ وبطلان اعتقاد النصارى ألوهيته ، وبطلان اعتقادهم خصوصية المسيح بحلول الروح القدس عليه أو على غيره دون سواهم .
خاتمة البحث :
وبهذا نأتي على ختام هذا البحث في هذه الدراسة العلمية النقدية عن اعتقاد النصارى ألوهية الروح القدس وأنه الرب المحيي ، وقد توصلت إلى النتائج الآتية :
1 ـ أن الروح القدس في الكتب الإلهية هو ما يؤيد الله به أنبياءه ورسله وعباده المؤمنين من النصر والتأييد ، ويأتي بمعنى الوحي الإلهي ، وبمعنى جبريل عليه السلام ، لكن أهل الكتاب لا سيما اليهود حرفوا معنى الروح القدس عن جبريل عليه السلام لزعمهم أنه عدوهم ، ثم تابعهم النصارى ، وبعدها اختلفوا في تأويله ، وآل أمرهم في نهاية الأمر إلى تأليهه ، لأن تأليههم للمسيح ـ عليه السلام ـ هو الذي قادهم لتأليه الروح القدس ، لأنهم تصوروا أنه حين حبلت مريم بحلول الروح القدس فيها ، أنها حبلت بالإله المسيح من الإله الروح القدس .
2 ـ إن إقرار ألوهية الروح القدس ، حدث بعد رفع المسيح ـ عليه السلام ـ بعدة قرون ، وهو من ابتداع الأحبار والرهبان الذين قاوموا عقيدة التوحيد التي جاء بها المسيح عليه السلام ، وكان إقرارهم لهذا الاعتقاد على مراحل عديدة وبعد النزاع والصراع بين التوحيد والوثنية التي تؤيدها الأباطرة الذين كانوا ما زالوا على وثنيتهم ، فجاءت قرارات مجامعهم تبعاً لبدعهم وأهوائهم التي ضلوا فيها عن الحق .
3 ـ أن اعتقادهم ألوهية الروح القدس نتيجة لتأويلهم النصوص المتشابهة وجعلها دليلاً على معتقدهم ، وتركهم النصوص المحكمة التي ترد باطلهم وإعراضهم عنها، رغم أنها صريحة في معانيها تؤيدها نصوص الكتب الإلهية السابقة ، وأناجيلهم المقدسة، وشهادة القرآن الكريم لما ورد فيها من الحق ، ورده لما فيها من الباطل .
4 ـ أن الروح القدس هو جبريل عليه السلام ، وكان سبب ضلالهم أنهم زعموا أن الروح القدس غير جبريل ، لأنهم حينما رأوا نصوصهم تارة تذكر الروح القدس، وتارة تذكر جبريل ظنوا أنهما شيئان مختلفان ، فنسبوا إلى الروح القدس الصفات الإلهية التي جعلتهم يعتقدون ألوهيته ، ولو تدبروا الأمر لوجدوهما شيئاً واحداً كما تشهد بذلك نصوصهم المقدسة .
5 ـ أن الروح القدس ليس خاصاً بالمسيح فقط ولا بمن زعموا حلوله عليهم ، بل إن الله أيد به الأنبياء والرسل السابقين وعباده المؤمنين ، ونصوصهم شاهدة في أن روح القدس حل في كثير من الأنبياء ، وفي الحواريين وفي غيرهم ، وأن روح القدس يأتي بمعنى القوة والنصر والتأييد، وبمعنى
الوحي ، وهو أيضاً اسم لجبريل عليه السلام ، وهذا يرد باطلهم في الاعتقاد بألوهيته خلاف ما أخبر الله عنه في الكتب الإلهية .
وفي ختام هذه الخاتمة أرجو الله أن أكون قد وفقت للصواب ، وأن يكون عملي خالصاً لوجه الله ، وبالله التوفيق وهو المستعان ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

الروح القدس في عقيدة النصارىدراسة نقدية في ضوء المصادر الدينية -
للدكتور . عبد الله بن عبد العزيز الشعيبي

مرحلة إعتقاد النصارى ألوهية الروح القدس

تقررت عقيدة ألوهية الروح القدس عند النصارى في الاجتماع الذي عقد لهذا الغرض ، في القسطنطينية سنة 381م ، وأصبحت هذه الإضافة الجديدة التي لم تكن في قانون الإيمان الصادر عن مجمع نيقية سنة 325م ، من أصول الإيمان في عقيدتهم ، وبه اكتملت الأقانيم الثلاثة المكونة من الآب والابن والروح القدس ، وأصبحت عقيدة التثليث دين النصرانية حسب قانون إيمانهم المقدس ، واعتبره النصارى : (( هو القانون المعبر عن الإيمان المسيحي الحقيقي ، وبناء على ذلك فمن يخالف تعاليم هذا القانون يخالف الإيمان المسيحي ويجب حرمانه )) .
يقول زكي شنودة : (( وقد أجمع المسيحيون فيما عقدوه إبان القرن الرابع من مجامع عالمية ـ أو مسكونية كما اعتادوا أن يسموها ـ على وضع قانون للإيمان يتضمن المعتقد الصحيح لكل المسيحيين ، ويقطع السبيل على كل من يحاول تغيير أمر أو تفسير أمر على غير مقتضى هذا القانون ، وقد درج المسيحيون جميعاً منذ وضع هذا القانون في القرن الرابع الميلادي إلى اليوم على التمسك به وتلاوتة أثناء الصلاة في كل كنائس العالم دون استثناء)) .
ثم تحدث عن اعتقاد ألوهية الروح القدس فقال : (( هو الأقنوم الثالث من اللاهوت الأقدس ، وهو مساوٍ للآب والابن في الذات والجوهر والطبع وكل فضل اللاهوت ، وهو روح الله ، وحياة الكون ومصدر الحكمة والبركة ، ومنبع النظام والقوة ، ولذلك فهو يستـحق العبـادة الإلهية ، والمحبة والإكرام والثـقة مع الآب والابـن )) .
ويقول القس يسي منصور : (( إن الروح القدس هو الله الأزلي ، فهو الكائن منذ البدء قبل الخليقة ، وهو الخالق لكل شيء ، والقادر على كل شـيء ، والحاضر في كل مكان ، وهو السرمدي غير المحدود )) , ويقـول في موضع آخـر : (( إن الروح القدس هو الأقنوم الثالث في اللاهوت ، وهو ليس مجرد تأثير أو صفة أو قوة ، بل هو ذات حقيقي ، وشخص حي ، وأقنوم متميز ولكنه غير منفصل ، وهو وحدة أقنومية غير أقنوم الآب وغـير أقنوم الابن ، ومسـاوٍ لهما في السـلطان والمقـام ، ومشترك وإياهما في جوهر واحد ولاهوت واحد )) .
فالأقانيم الثلاثة ـ على زعمهم ـ هي : الذات والنطق والحياة ، فالذات هو الآب ، والنطق أو الكلمة هو الابن ، والحياة هي الله روح القدس ، ومعنى ذلك في عقيدتهم : أن الذات والد النطق أو الكلمة ، والكلمة مولودة من الذات ، والحياة منبعثة من الذات حسـب اعتقاد الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية ، أو منبعثة من الذات والكلمة حسـب اعتقاد الكنيسة الكاثوليكية والإنجيلية .
ويزعم النصارى أن دليلهم على اعتقاد ألوهية الروح القـدس مستمدة من كتابهم المقدس، وأن كل النصوص التي ورد فيها ذكر الروح القـدس دليـلاً على ألوهيتـه ، وقد سـبق ذكر بعض هذه النصوص ومناقشتها في شواهد سابقة ، وسيأتي ذكر بعضها ومناقشتها في شواهد لاحقة ، إن شاء الله
ولكن الناظر والمدقق في منطوق هذه النصوص ومفهومها يلاحظ أنه لا يوجد فيها ما يؤيد معتقدهم ، فقد ضلوا في الوصول إلى الحق المراد منها ، فكان ذلك سبب ضلالهم ، لأنهم اعتمدوا على الألفاظ المتشابهة المنقولة عن الأنبياء ، وعدلوا عن الألفاظ الصريحة المحكمة وتمسكوا بها ، وهم كلما سمعوا لفظاً لهم فيه شبهة تمسكوا به وحملوه على مذهبهم ، وإن لم يكن دليلاً على ذلك ، والألفاظ الصريحة المخالفة لذلك ، إما أن يفوضوها ، وإما أن يتأولوها ـ كما يصنع أهل الضلال ـ يتبعون المتشابه مـن الأدلة العقـلية والسمعية ، ويعـدلون عن المحـكم الصريح من القسـمين .
وسنذكر بعض الأمثلة عن تأويلهم قضايا عقدية أخرى غير قضية الروح القدس ، تبين منهجهم في التأويل وصرف المعنى عن دلالته الصريحة الواضحة ، إلى تأويلات باطلة ، ولكنها حسب منهجهم صحيحة طالما أنها تؤدي إلى مطلوبهم كما يعتقدون ، ومن هذه الأمثلة على تأويلهم لنصوص كتابهم المقدس ، ما يأتي :
المطلب الأول : تأويل نصوص التوراة :
يزعم القس بوطر في رسالة صغيرة ، سماها الأصول والفروع ، ان الله عز وجل ـ بعد أن خلق الإنسان ـ لبث حيناً من الدهر لا يعلن له سوى ما يختص بالوحدانية لله من خلال التوراة ، ويزعم أن المدقق فيها يرى إشارات وراء الوحدانية ، يعني ـ على زعمه ـ أنها تدل على عقيدتهم في التثليث ـ الأب والابن والروح القدس ـ وغير ذلك من المعتقدات التي تأولوا نصوص التوراة للتدليل عليها.
يقول القس بوطر: (( بعدما خلق الله العالم ، وتوج خليقته بالإنسان ، لبث حيناً من الدهر لا يعلن له سوى ما يختص بوحدانيته ، كما يتبين ذلك من التوراة ، على أنه لا يزال المدقق يرى بين سطورها إشارات وراء الوحدانية ، لأنك إذا قرأت فيها بإمعان تجد هذه العبارات : (( كلمة الله أو حكمة الله ، أو روح القدس )) ولم يعلم من نزلت إليهم التوراة ما تكنه هذه الكلمات من المعاني ، لأنه لم يكن قد أتى الوقت المعين الذي قصد الله فيه إيضاحها على وجه الكمال والتفصيل ، ومع ذلك فمن يقرأ التوراة في ضوء الإنجيل يقف على المعنى المراد ، إذ يجدها تشير إلى أقانيم في اللاهوت ، ثم لما جاء المسيح إلى العالم أرانا بتعاليمه وأعماله المدونة في الإنجيل أن له نسبة سرية أزلية إلى الله ، تفوق الإدراك ، ونراه مسمى في أسفار اليهود : (( كلمة الله )) وهي ذات العبارة المعلنة في التوراة ، ثم لما صعد إلى السماء أرسل روحاً ، ليسكن بين المؤمنين ، وقد تبين أن لهذا الروح أيضاً نسبة أزلية إلى الله فائقة ، كما للابن ، ويسمى الروح القدس ، وهو ذات العبارة المعلنة في التوراة كما ذكرنا ، ومما تقدم نعلم بجلاء أن المسمى بكلمة الله ، والمسمى بروح الله في نصوص التوراة هما المسيح والروح القدس المذكوران في الإنجيل ، فما لمحت إليه التوراة صرح به الإنجيل كل التصريح ، وإن وحدة الجوهر لا يناقضها تعدد الأقانيم ، وكل من أنار الله ذهنه وفتح قلبه لفهم الكتاب المقدس لا يقدر أن يفسر الكلمة بمجرد أمر من الله أو قول مفرد ، ولا يفسر الروح بالقوة التأثيرية ، بل لابد له أن يعلم أن في اللاهوت ثلاثة أقانيم متساوين في الكلمات الإلهية ، وممتازين في الاسم والعمل ، والكلمة والروح القدس إثنان منهم ، ويدعى الأقنوم الأول الآب ، ويظهر من هذه التسمية أنه مصدر كل الأشياء ومرجعها ، وأن نسبته للكلمة ليست صورية بل شخصية حقيقية ، ويمثل للأفهام محبته الفائقة ، وحكمته الرائعة ، ويدعى الأقنوم الثاني الكلمة ، لأنه يعلن مشيئته بعبارة وافية ، وأنه وسيط المخابرة بين الله والناس ، ويدعى أيضاً الابن ، لأنه يمثل العقل نسبة المحبة ، والوحدة بينه وبين أبيه ، وطاعته الكاملة لمشيئته ، والتمييز بين نسبته هو إلى أبيه ، ونسبة كل الأشياء إليه ، ويدعى الأقنوم الثالث الروح القدس ، الدلالة على النسبة بينه وبين الآب والابن ، وعلى عمله في تنوير أرواح البشر ، وحثهم على طاعته ... وبناء على ما تقدم يظهر جلياً أن عبارة الابن لا تشير كما فهم بعضهم خطأ إلى ولادة بشرية ، ولكنها تصف سرية فائقة بين أقنوم وآخر في اللاهوت الواحد ، وإذا أراد الله أن يفهمنا تلك النسبة لم تكن عبارة أنسب من الابن للدلالة على المحبة والوحدة في الذات )).
يقول الشيخ محمد أبو زهرة ـ رحمه الله ـ ونجد كاتب هذا الكلام يحاول ثلاث محاولات :
أولاها : إثبات أن التوراة وجد فيها أصل التثليث ، لوحت به ولم تصرح ، أشارت إليه ، ولم توضح.
وثانيها : أن في اللاهوت ثلاثة أقانيم ، وهي في شعبها متغايرة وإن كانت في جوهرها غير متغايرة.
وثالثها : أن العلاقة بين الآب والابن ليست ولادة بشرية ، بل هي علاقة المحبة والاتحاد في الجوهر.
ومن الأمثلة على تحريف نصوص التوراة قول القس يسي منصور: (( إذا قالت التوراة : (( وقال الله نصنع الإنسان على صورتنا كشبهنا )) ، كان ضمير الجمع (نا) الذي تحدث به الله عن نفسه ، فإن الله لم يتكلم بصيغة الجمع إلا باعتباره ثلاثة في واحد )) .
وإذا قالت التوراة : (( فقال الرب الإله هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا ، عارفاً الخير والشر )) ، كان المتكلم هو الله ممثلاً في أقانيمه الثلاثة وإذا قالت التوراة : (( منذ وجوده أنا هناك .. ولأن السيد الرب أرسلني وروحه )) ، فمفهوم هذا أن ضمير ( نا) يشير إلى الابن ، و (( السيد الرب )) يشير إلى الأب ، (( وروحه)) هو روح القدس.
وإذا قالت التوراة على لـسان موسى مخاطباً الأسباط الإثنى عشر ، معلناً فيهم وصايا الله لهم : (( وهكذا تباركون إسرائيل قائلين لهم : يباركك الرب ويحرسك ، يضئ الرب بوجهه عليك ويرحمك ، يرفع الرب بوجهه عليك ويمنحك سلاماً ، فيجعلون اسمي على بني إسرائيل وأنا أباركهم )) ، كان تأويل هذا هكذا : (( الله الأب يظهر محبته ويحرسهم ، وربنا يسوع المسيح يظهر نعمته ويرحمهم ، والروح القدس يظهر شركته ويمنحهم سلاماً )) ، وهذا التأويل ـ لا شك أنه ـ من الضلال عن الحق ، إذ ليس في تلك النصوص التي استشهد بها ما يشير إلى الأقانيم الثلاثة ـ حسب زعمهم ـ بل إن جميع أسفار العهد القديم لا يوجد فيها ما يؤيد معتقدهم في التثليث ، بدليل اعترافهم أنفسهم بذلك ، إذ يقول أحدهم : (( إن التعليم عن الروح القدس كأقنوم إلهي في الثالوث القدوس لم يرد في العهد القديم بشكل واضح ، شأنه شأن التعليم عن الثالوث الإلهي نفسه ، ولكن الروح القدس ذكر في العهد القديم في عدة مواضع )) ، وهذا يعني أن تأويلهم للنصوص بما يوافق معتقدهم من الظن والقول بغير علم ، والدليل إذا دخله الاحتمال بطل به الاستدلال .
ومن تأويلهم للنصوص زعمهم أن ما تحدثت به التوراة عن (( ملاك الرب )) المقصود به الرب ذاته ، يقول عوض سمعان : إن كلمة ملاك أو ملاك الرب وردت في الكتاب المقدس مراد بها اسم الرب أو الله ، فقد قال زكريا النبي :
(( مثل الله مثل ملاك الرب )) ، وقال الوحي عن يعقوب : (( جاهد مع الله، جاهد مع الملاك )) ، وقال يعقوب عندما رأى ولدي يوسف : (( الله الذي رعاني ، الملاك الذي خلصني ، يبارك الغلامين )) ، ثم يعلق عوض سمعان على هذه النصوص بقوله : إن كلمة ( ملاك ) ليست في الأصل اسماً للمخلوق الذي يعرف بها ، بل إنها اسم للمهمة التي يقوم بها ، وهذه المهمة هي تبليغ الرسائل ، فالاصطلاح (ملاك الرب ) معناه حسب الأصل : (( المبلغ لرسائل الرب )) ولما كان الرب هو خير من يقوم بتبليغ رسائله ؛ لأن كل ما عداه محدود ، والمحدود لا يستطيع أن يعلن إعلاناً كاملاً ذات أو مقاصد غير المحدود ، لذلك يحق أن يسمى الرب من جهة ظهوره لتبليغ رسائله ( ملاك الرب ) بمعنى المعلن لمقاصده أو المعلن لذاته ، وبالحري بمعنى (( ذاته معلناً أو متجلياً )) لأنه لا يعلن ذات الله سوى الله .
هذا التأويل الباطل الذي جاء به النصارى لنصوص التوراة بعد أكثر من ألفي سنة من نزولها على موسى عليه السلام ، وعلى الأنبياء من بعده ، لم يكن هذا التأويل معروفاً عند من نزلت عليهم ، بل كانوا على علم أن الذي يأتيهم بالوحي ويتحدث إليهم هم ملائكة الله ، وليس الله ذاته ، وكذلك لم يكن هذا التأويل معروفاً عند اليهود وهم أهل التوراة الذين لم يفهموا منها سوى ما بلغهم به أنبياؤهم ، بدليل ماسبق ذكره عند الحـديث عن حقيـقة الروح القـدس عند اليهود في المطلب الأول من المبحـث الأول .
وكذلك أناجيل النصارى التي تحدثت عن وجود الملائكة ، وعددهم ووظائفهم ، ورسالتهم ، لم يأت فيها ذكر أنهم هم ذات الله ، يقول المسيح عليه السلام : (( لأنهم في القيامة لا يزوجون ولا يتزوجون بل يكونون كملائكة الله في السماء )) ، ويقول أيضاً : (( أتظن أني لا أستطيع الآن أن أطلب إلى أبي فيقدم لي أكثر من اثنى عشر جيشاً من الملائكة )) ، وجاء في الإنجيل : (( وظهر بغتة مع الملاك جمهور من الجند السماوي مسبحين الله وقائلين ، المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة )) . ونصوص أخرى ذكرت أن ملاك الله بشر زكريا بميلاد يوحنا ( يحيى عليه السلام ) ، وبشر مريم بميلاد المسيح ـ عليه السلام ـ ، وعن السبعة من الملائكة ووظائفهم ، وغير ذلك من النصوص ، التي تدل على أن المـلائكة خلق من خلق الله ، وأنـهم رسـله إلى من يشاء مـن خـلقه .
وحسب تأويلهم للنصوص ، يمكن القول إن تأويل المراد من الملائكة في هذه النصوص الآنفة الذكر هم ذات الله أيضاً ، وإذا كان كذلك فهذا يدل على أنهم لا يفرقون بين الله وملائكتة ، ولا بين الخالق والمخلوق .
المطلب الثاني : تأويل نصوص الإنجيل :
ومن أمثلة تأويل نصوص الإنجيل ، ما جاء في خاتمة إنجيل متى : (( فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس )) ، فزعموا أن تأويل المراد من هذا النص أنه يشير إلى الأقانيم الثلاثة ، وأن كل أقنـوم منها إلهٌ بـذاته .
لكن تأويلهم هذا من التأويل الباطل الذي ضلوا فيه عن الحق ، إذ مراد المسيح ـ على فرض صحته عنه ـ خلاف المراد الذي يعتقده النصارى ، وللعلماء في تأويل المراد من هذا النص عدة احتمالات : فإما أن يكون مراد المسيح
ـ كما يقول الإمام ابن تيمية ـ أي : (( مروا الناس أن يؤمنوا بالله ونبيه الذي أرسله ، وبالملك الذي أنزل عليه الوحي الذي جاء به ، فيكون ذلك أمراً لهم بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ، وهذا هو الحق الذي يدل عليه صريح المعقول وصحيح المنقول ))
وإما أن يكون مراد المسيح ـ كما يقول المهتدي نصر بن يحيى المتطبب ـ : (( إن كان صحيحا ً، فيحتمل أن يكون قد ذهب فيه بجميع هذه الألفاظ : أن يجتمع له بركة الله ، وبركة نبيه المسيح ، وبركة روح القدس ، التي يؤيد بها الأنبياء والرسل ، وأنتم إذا دعا أحدكم للآخر قال له : صلاة فلان القدس تكون معك ، وإذا كان أحدكم عند أحد الآباء مثل جاثليق ومطران أو أسقف ، وأراد أن يدعو له ، يقول له : صلي علي ، ومعنى الصلاة : الدعاء ، واسم فلان النبي أو فلان الصالح الذي هو يعينك على أمورك ، ويجوز أن يكون المسيح ذهب فيه إلى ما هو أعلم به ، فكيف حكمتم بأنه ذهب إلى هذه الأسماء لما أضافها إلى الله تعالى ، صارت إلهية ، وجعلتم له أسماء ، وهي : الأقانيم الثلاثة ، وقد عبرتم في لغتكم أن الأقنوم : الشخص ، فكيف استخرجتم ما أشركتموه بالباري تعالى ذكره عما تصفون بالتأويل الذي لا يصح )) .
وإما أن يكون مراد المسيح ـ كما يقول الإمام القرطبي ـ أي :
(( عمدوهم على تركهم هذا القول ، كما يقول القائل : كل على اسم الله ، وامش على اسم الله ، أي على بركة اسم الله ، ولم يعين الآب والابن من هما ؟ ولا المعنى المراد بهـما ؟ فلعله أراد بالآب هنا : الملك الذي نفخ في مريم أمه الروح ، إذ نفخه سبب علوق أمه وحبلها به ، وأراد بالابن : نفسه ، إذ خلقه الله تعالى من نفخة الملك ، فالنفخة له بمثابة النطفة في حق غيره ، ثم لا يبعد أيضاً في التأويل ـ إن صح عن عيسى عليه السلام أنه كان يطلق على الله لفظ الأب ـ أن يكون مراده به : أنه ذو حفظ له ، وذو رحمة وحنان عليه ، وعلى عباده الصالحين ، فهو لهم بمنزلة الأب الشفيق الرحيم ، وهم له في القيام بحقوقه وعبادته بمنزلة الولد البار ، ويحتمل أن يكون تجوز بإطلاق هذا اللفظ على الله تعالى ، لأنه معـلمه وهـاديه ومرشده ، كما يقال : المعلم أبو المتعلم ، ومن هذا قوله تعالى في كتابنا : (( ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل )) ، على أحد تأويلاته ، ومن هـذين التأويلين : يصح حل ما وقع في أناجيـلهم من هذا اللفـظ ، بل هـذان التأويلان ظاهران وسائغان فيـها )) .
ثم ذكر القرطبي شواهد من أناجيلهم ، تدل على أن التأويل الذي ذهب إليه ، هو الحق في بيان مراد المسيح من قوله لحوارييه عمدوا الناس باسم الآب والابن والروح القدس .
ومن الشواهد من أناجيلهم التي ترد تأويلهم الباطل وتبطله ، ما يأتي :
أولاً : إن ذكر الأب في الأناجيل معناه الله سبحانه وتعالى ، يقول المسيح ـ عليه السلام ـ في إحدى وصاياه لتلاميذه: (( أحبوا أعداءكم، وباركوا لاعنيكم ، وأحسنوا إلى مبغضيكم ، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم ، لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات )) ، ويقول المسيح أيضاً : (( احترزوا من أن تصنعوا صدقتكم قدام الناس لكي ينظروكم ، وإلا فليس لكم أجر عند أبيكم الذي في السموات )) ، وغير ذلك الكثير من النصوص التي تشير إلى أن الله عز وجل يطلق عليه لفظ الأبوة . وليس في هذا معنى الأبوة التناسلية أو المفهوم الذي يفهم منه أنه إذا أطلق على الله لفظ الأب أن يكون له ولد ، تعالى الله عن ذلك .
ثانياً : أن كلمة الابن وردت في عدة نصوص من الأناجيل مضافة إلى الله وبدون إضافة ، ومن هذه النصوص ، أن إبليس يقول للمسيح : (( إن كنت ابن الله فقل أن تصير هذه الحجارة خبزاً )) ، وأنه قال له مرة أخرى : (( إن كنت ابن لله فاطرح نفسك إلى الأسفل )) ، وفي الإنجيل أن المسيح سأل تلاميذه مرة قـائلاً : (( من يقول الناس إني أنا ابن الإنسان ؟ فقالوا : قوم يوحنا المعمدان وآخرون ، إيليا وآخرون ، أرميا أو أحد من الأنبياء ، قال لهم : وأنتم من تقولون إني أنا ؟ فأجاب سمعان بطرس : أنت هو المسيح ابن الله الحي )) ، وهناك الكثير من النصوص الإنجيلية التي تنسب المسيح أنه ابناً لله ، ولكن هناك نصوص أخرى تبين أن هذه النسبة ليست خاصة بالمسيح ، بل تلاميذ المسيح وكل المؤمنين هم أبناء الله ، وهذا يدل على أن لفظة الابن في الأناجيل المراد بها رعاية الله وعنايته ، وقربه من الناس ، وحفظه ورحمته لهم ، وليست صلة قرابة جسدية ، ومن هذه النصوص قول المسيح : (( وصلوا للذين يسيئون إليكم ويطردونكم لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات )) ، وأمرهم عليه السلام أن يقولوا في صلاتهم : (( أبانا الذي في السموات )) ، وغير ذلك من النصوص .
والمراد من هذه النصوص التي تطلق على المسيح ـ عليه السلام ـ وعلى تلاميذه وعلى المؤمنين أنهم أبناء الله ـ على فرض صحتها ـ المراد منها المجاز وليس الحقيقة .
ونظير هذا ما أخبر الله عز وجل في القرآن الكريم ، أن اليهود والنصارى قالوا : (( نحن أبناء الله وأحباؤه )) ، (( أي نحن منتسبون إلى أنبيائه وهم بنوه ، وله بهم عناية ، وهو يحبنا ، ونقلوا عن كتابهم أن الله قال لعبده إسرائيل : أنت ابني بكري ، فحملوا هذا على غير تأويله وحرفوه ، وقد رد عليهم غير واحد ممن أسلم من عقلائهم وقالوا : هذا يطلق عندهم على التشريف والإكرام ، كما نقل النصارى عن كتابهم أن عيسى قال لهم : إني ذاهب إلى أبي وأبيكم ، يعني ربي وربكم ، ومعلوم أنهم لم يدعو لأنفسهم من البنوة ما ادعوها في عيسى ـ عليه السلام ـ وإنما أرادوا من ذلك معزتهم لديه ، وحضوتهم عنده ، ولهذا قالوا : نحن أبناء الله وأحباؤه ، قال الله تعالى رداً عليهم : (( قل فلم يعذبكم بذنوبكم )) ، أي لو كـنتم كما تدعون أبنـاء الله وأحـباؤه ، فلم أعـد لكم نار جـهنم على كـفركم وكذبكم وافترائكم ؟ )) .
ثالثاً : أما الروح القدس فإن النصارى يتأولون اعتقاد ألوهيته من عدة نصوص من العهـد الجديد ، ففي الإنجيـل عن الحمل بعيسى ـ عليه السلام ـ أن أم المسـيح : (( وجدت حبلى من الروح القدس )) ، وفي الإنجيل أيضاً ، أن مريم : (( حبل به فيها من الروح القدس )) ، وفي الإنجيل أيضاً أن السيح قال لتلاميذه : (( فمتى ساقوكم ليسلموكم فلا تعتنوا من قبل بما تتكلمون ولا تهتموا ، بل مهما أعطيتم في تلك الساعة فبذلك تكلموا ، لأن لسـتم أنتم المتكلمين بل الروح القـدس )) ، وفي أعمل الرسل قول بطرس لحنانيا: (( يا حنانيا لماذا ملأ الشيطان قلبك لتـكذب على الروح القـدس ، أنـت لم تكذب على النـاس بل على الله )) .
كما يتأول النصارى اعتقاد ألوهية الروح القدس من أقوال من يسمونه بولس الرسول ، الذي نسب إلى الروح القدس مايمكن أن ينسب إلى ذات الله وصفاته وأعماله وعبادته ، كما ذكر ذلك قاموس الكتاب المقدس ، مستدلاً بأقوال بولس الرسول التي وردت في هذا المقام ، إذ يقول : (( أما تعلمون أن هيكل الله وروح الله يسكن فيكم )) ، وقوله : (( إن كان روح الذي أقام يسوع من الأموات ساكناً فيكم فالذي أقام المسيح من الأموات سيحيي أجسادكم المائته أيضاً بروحه الساكن فيكم )) ، وغير ذلك من النصوص التي يستشهدون فيها على أن الروح القدس هو الأقنوم الثالث من لاهوتهم المقدس ، وأنه ـ على زعمهم ـ مساوٍ للأب والابن في الذات والجوهر ، وغير ذلك من الصفات التي يزعمون أنها أدلة على إثبات ألوهيته واستحقاقه للعبادة الإلهية ، تعالى الله عن قولهم .
لكن اعتقادهم ألوهية الروح القدس باطل ومردود ، ودليل ذلك مايأتي :
1 ـ أن نصوص العهد القديم والعهد الجديد التي ورد فيها ذكر الروح مضافاً إلى الله وإلى القدس وبدون إضافة ، جاءت بمعنى الوحي بالإلهام ، وبمعنى الثبات والنصرة التي يؤيد الله بها من يشاء من عباده المؤمنين ، وبمعنى ملاك الله جبريل ـ عليه السلام ـ وبمعنى المسيح ـ عليه السلام ـ كما سبق ذكر الشواهد على ذلك عند الحديث عن حقيقة الروح في المبحث الأول .
كذلك فإن حقيقة الروح حسب تعبير النصارى أنه : (( الناطق في الأنبياء ، الناطق في الناموس والمعلم بالأنبياء ، الذي نزل إلى الأردن ونطق بالرسل ، وأنه الروح القدس روح الله )) فكل هذه المعاني تدل على أن حقيقة الروح القدس لاتدل على مرادهم باعتقاد ألوهيته ، إذ لو كان إلهًا ، لكان كذلك منذ أن خلق الله تعالى الخلق حتى قيام الساعة ، لكن ذلك لم يكن .
2 ـ أن عقيدة ألوهية الروح القدس لم تكن معروفة في عصر المسيح ـ عليه السلام ـ ولا في عصر حوارييه ، ولا في القرون الثلاثة بعد رفع المسيح ، بدليل أنهم في قانون إيمانهم المقدس سنة 325م قالوا : (( ونؤمن بالروح القدس )) ، دون أن يذكروا اعتقادهم ألوهيته ، وبعد أكثر من نصف قرن حينما اجتمعوا في القسطنطينية سنة 381م ، صدر عنهم قانون آخر أضافوا فيه اعتقادهم ألوهية الروح القدس ، فقالوا : (( ونؤمن بالروح القدس الرب المحيي المنبثق من الآب ، الذي هو مع الآب والابن مسجود له وممجد ، الناطق في الأنبياء )) أي أن اعتقادهم ألوهية الروح القدس جاء بعد أكثر من ثلاثة قرون من رفع المســيح ، إضافة إلى أن قولهم هذا متناقض وباطل عقلاً ونقلاً ، يقول الإمام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ : (( قلتم في أقنوم روح القدس الذي جعلتموه الرب المحيي أنه منبثق من الآب مسجود ممجد ، ناطق في الأنبياء ، فإن كان المنبثق رباً حياً ، فهذا إثبات إله ثالث ، وقد جعلتم الذات الحية منبثقة من الذات المجردة ، وفي كل منهما من الكفر والتناقض ما لا يخفى ، ثم جعلتم هذا الثالث مسجود له ، والمسجود له هو الإله المعبود ، وهذا تصريح بالسجود لإله ثالث مع ما فيه من التناقض ، ثم جعلتموه ناطقاً بالأنبياء ، وهذا تصريح بحلول هذا الأقنوم الثالث بجميع الأنبياء ، فيلزمكم أن تجعلوا كل نبي مركبًا من لاهوت وناسوت ، وأنه إله تام وإنسان تام ، كما قلتم في المسيح ، إذ لا فرق بين حلول الكلمة ، وحلول روح القدس ، كلاهما أقنوم ، وأيضاً فيمتنع حلول إحدى الصفتين دون الأخرى ، وحلول الصفة دون الذات ، فيلزم الإله الحي الناطق بأقانيمه الثلاثة حالاً في كل نبي ، ويكون كل نبي هو رب العالمين ، ويقال مع ذلك هو ابنه ، وفي هذا من الكفر الكبير والتناقض العظيم ما لا يخفى ، وهذا لازم للنصارى لزوماً لا محيد عنه ، فإن ما ثبت لنظيره ، ولا يجوز التفريق بين المتماثلين ، وليس لهم أن يقولوا : الحلول أو الاتحاد في المسيح ثبت بالنص ، ولا نص في غيره لوجوه : أحدها : أن النصوص لم تدل على شيء من ذلك )) .
الثاني : أن في غير المسيح من النصوص ما شابه النصوص الواردة فيه كلفظ الابن ، ولفظ حلول روح القدس فيه ، ونحو ذلك . الثالث : أن الدليل لا ينعكس فلا يلزم من عدم الدليل المعين عدم المدلول ، وليس كل ما علمه الله وأكرم به أنبياءه أعلم به الخلق بنص صريح ، بل من جملة الدلالات دلالة الالتزام ، وإذ ثبت الحلول والاتحاد في أحد النبيين لمعنى مشترك بينه وبين النبي الآخر وجب التسوية بين المتماثلين ، كما إذ ثبت أن النبي يجب تصديقه ، لأنه نبي ، ويكفر من كذبه لأنه نبي ، فيلزم من ذلك تصديق كل نبي وتكفير من كذبه. الرابع : هب أنه لا دليل على ثبوت ذلك في الغير ، فيلزم تجويز ذلك في الغير إذ لا دليل على إنتفائه ، كما يقولون : إن ذلك كان ثابتاً في المسيح قبل إظهاره الآيات على قولهم ، وحينئذٍ فيلزمهم أن يجوزوا في كل نبي أن يكون الله قد جعله إلهاً تاماً وإنساناً تاماً كالمسيح وإن لم يعلم ذلك . الخامس : لو لم يقع ذلك ، لكنه جائز عندهم ، إذ لا فرق في قدرة الله بين اتحاده بالمسيح واتحاده بسائر الآدميين ، فيلزمهم تجويز أن يجعل الله كل إنسان إلهاً تاماً وإنساناً تامًا ، ويكون كل إنسان مركباً من لاهوت وناسوت ، وقد تقرب إلى هذا اللازم الباطل من قال بأن أرواح بني آدم من ذات الله ، وأنها لاهوت قديم أزلي فيجعلون نصف كل أدمي لاهوتاً ، وهؤلاء يلزمهم من المحالات أكثر مما يلزم النصارى من بعض الوجوه ، والمحالات التي تلزم النصارى أكثر من بعض الوجوه .
3 ـ ويدل على فساد عقيدتهم أن سبب عقد مجمع القسطنطينية ـ الآنف الذكر ـ أن هناك الكثير من النصارى الذين ما زالوا على عقيدة التوحيد ، ينكرون ألوهية المسيح وألوهية الروح القدس ، كأسقف القسطنطينية البطريرك مكدونيوس الذي يعتقد أنه كسائر المخلوقات ، وخادم للابن كأحد الملائكة ، كما أن اختلاف النصارى حول طبيعة المسيح ، وحول انبثاق الروح القدس ، وغيرها من أصول العقيدة ، التي عقدوا من أجلها المجامع المتعددة لتقرير أصولها وما حدث بينهم من انقسامات وما نتج عنها من ظهور طوائف متعددة ، كل طائفة تنكر ما عليه الطائفة الأخرى ، كل ذلك وغيره يدل على أنهم ضلوا عن الوحي الإلهي الذي أنزله الله تعالى على المسيح ـ عليه السلام ـ وعلى النبيين من قبله ، إذ لو تمسكوا بالوحي لهدوا إلى الصراط المستقيم ، الذي من أجله أرسلت الرسل ، وأنزلت الكتب .
4 ـ كما أن نصوص الإنجيل وأقوال بولس الرسول التي تدل ـ بزعمهم ـ على ألوهية الروح القدس باطلة بنصوص الإنجيل نفسه ، وبأقوال بولس نفسه أيضاً ، ودليل ذلك مايأتي :
أ ـ أن ملاك الله جبريل عليه السلام ، بشر زكريا ـ عليه السلام ـ بميلاد يوحنا المعمدان ـ يحيى عليه السلام ـ وأنه يكون عظيماً أمام الرب ، ومن بطن أمه يمتلئ من الروح القدس ، إذ جاء في الإنجيل : (( فقال الملاك : لا تخف يا زكريا لأن طلبتك قد سمعت ، وامرأتك إليصابات ستلد لك ابناً ، وتسميه يوحنا ويكون لك فرح وابتهاج وكثيرون سيفرحون بولادته ، لأنه يكون عظيماً أمام الرب ، وخمراً ومسكراً لا يشرب ، ومن بطن أمه يمتلئ من الروح القدس ، ويرد كثيرين من بني إسرائيل إلى الرب إلههم )) ، هذا النص يفيد أن جبريل ملاك الله بشر زكريا بمولد ابنه ، وأنه يكون عظيماً أمام الله عز وجل ، عفيفاً عن المسكرات ، ويؤيده الله بروح القدس ، وأنه يرد بني إسرائيل إلى الرب إلههم .
وهذا النص لا يستشهد به النصارى دليلاً على اعتقادهم ألوهية الروح القدس ، ضمن شواهدهم التي يستدلون بها على ألوهية الروح القدس ؛ لأنه ضد عقيدتهم هذه ، ولا أحد من النصارى زعم أن الروح القدس الذي أيد الله به يوحنا ، أنه إلهاً بذاته ، لأنه كيف يكون إلهًا ، ويوحنا نفسه ـ كما في النص ـ يكون عظيماً أمام الله ، فلو زعموا أن الروح القدس في هذا النص إلهاً مستقلاً ، لانكشف لهم فساد معتقدهم في تأليه الروح القدس .
ب ـ أن ملاك الله جبريل عليه السلام ، بشر مريم بميلاد المسيح ـ عليه السلام ـ إذ جاء في الإنجيل : (( وفي الشهر السادس أرسل جبرائيل الملاك من الله إلى مدينة من الجليل اسمها ناصرة ، إلى عذراء مخطوبة لرجل من بيت داود اسمه يوسف ، واسم العذراء مريم ... فقال لها الملاك : لا تخافي يا مريم لأنك قد وجدت نعمة عند الله ، وها أنت ستحبلين وتلدين ابناً ، وتسمينه يسوع ... فقالت مريم للملاك : كيف يكون هذا وأنا لست أعرف رجلاً ، فأجاب الملاك ، وقال لها : الروح القدس يحل عليك )) ، وفي الإنجيل أيضاً : (( أما ولادة يسوع المسيح فكانت هكذا ، لما كانت مريم أمه مخطوبة ليوسف قبل أن يجتمعا وجدت حبلى من الروح القدس ، فيوسف رجلها إذ كان باراً ولم يشأ أن يشهرها أراد تخليتها سراً ، ولكن فيما هو متفكر في هذه الأمور إذا ملاك الرب قد ظهر له في حلم قائلاً يا يوسف ابن داود لا تخف أن تأخذ امرأتك لأن الذي حبل به فيها هو من الروح القدس فستلد ابناً وتدعو اسمه يسوع )) .
والمراد من الروح القدس الذي حل على مريم في هذين النصين ، أحد أمرين : إما أن يكون المراد به جبريل عليه السلام ، وهذا يتفق مع ما ذكره الله عز وجل عن مـريم في قوله : (( فاتخـذت من دونهم حجاباً فأرسلنا إليـها روحنا فتمثل لها بشراً سوياً )) ، والروح كما قال المفسرون : هو جبريل عليه السلام .
أو أن يكون المراد به الروح التي هي مـن الله ، وهـذا يتفـق مع قـوله تعـالى : (( وكلمته ألقاها إلى مـريم وروح منه )) ، ومعنى (( وروح منه)) أي : أن الله أرسل جبريل فنفخ في درع مريم فحملت بإذن الله ، وهذه الإضافة للتفضيل ، وإن كان جميع الأرواح من خلقه تعالى ، وقيل : قد يسمى من تظهر منه الأشياء العجيبة روحاً ويضاف إلى الله ، فيقال هذا روح من الله : أي : من خلقه ، كما يقال في النعمة أنها من الله ، وقيل (( روح منه)) أي : من خلقه ، كما قال تعالى: (( وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه )) ، أي : من خلقه ، وقيل : (( روح منه )) أي : رحمة منه ، وقيل : (( روح منه)) أي : برهان منه ، وكان عيسى برهاناً وحجة على قومه ، وقوله : ( منه) متعلق بمحذوف وقع صفة للروح ، أي : كائنة منه ، وجعلت الروح منه سبحانه وإن كانت بنفخ جبريل لكـونه تعالى الآمر لجـبريل بالـنفخ ، ومثله قوله تعالى : (( والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين )) ، وقــوله تعالى : (( ومريم ابنت عمران التي احصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربـها وكتبه وكانت من القانـتين )) .
ت ـ وفي الإنجيل أيضاً أن مريم حينما زارت إليصابات أم يحيى ـ عليه السلام ـ وسلمت عليها : (( فلما سمعت إليصابات سلام مريم ارتكض الجنين في بطنها ، وامتلأت إليصابات من الروح القدس )) ، وفي الإنـجيل أيـضًا :
(( وامتلأ زكريا أبوه من الروح القدس ، وتنبأ قائلاً ، مبارك الرب إله إسرائيل )) ، وفي الإنجيل أيضاً : (( وكان رجل في أورشليم اسمه سمعان ، وهذا الرجل كان باراً تقياً ينتظر تعزية إسرائيل ، والروح القدس كان عليه ، وكان قد أوحي إليه بالروح القدس أنه لا يرى الموت قبل أن يرى مسيح الرب)) ، فهذه النصوص تدل : إما على أن الروح القدس هو جبريل عليه السلام ، أو أنه البرهان الذي يؤيد الله به أولياءه من عباده المؤمنين .
ث ـ أن نصوص أناجيلهم ذكرت أن المسيح ـ عليه السلام ـ بعد أن تعمد على يد يحيى ـ عليه السلام ـ : (( وإذا السموات قد انفتحت له فرأي روح الله نازلاً مثل حمامة وآتياً عليه )) ، وأن يحيى شهد أن العلامة التي يعرف بها المسيح ، أن يرى أن روح القدس نازلاً ومستقراً عليه : (( قائلاً إني قد رأيت الروح القدس نازلاً مثل حمامة من السماء فاستقرت عليه ، وأنا لم أكن أعرفه ، لكن الذي أرسلني لأعمد بالماء ذاك قال لي الذي ترى الروح نازلاً ومستقراً عليه فهذا هو الذي يعمد بالروح القدس )) ، ونزول الروح القدس من السماء يدل على أنه ملك من الملائكة ، حيث دلت النصوص أن هذا النازل من السماء هو ملاك الله جبريل عليه السلام .
كما أن هذه النصوص قد وصفت الروح بالنزول مثل حمامة ، ومن المعلوم أن الروح القدس في عقيدة النصارى ، هو الأقنوم الإلهي الثالث ، في الثالوث المقدس ، فالعجب كيف يرضى النصارى أن يكون الروح النازل بهذه الصفة إلهاً يستحق العبادة مع الله ؟ وكيف يكون إلههم ومعبودهم جسماً بهذه الصفة من الطيور المخلوفة ؟ إن هذا الاعتقاد ـ لاشك ـ أنه مسبة لمقام الألوهية ، إذ لم يعرفوا الله حق المعرفة ، ولو عرفوا الله لما أشركوا معه آلهة أخرى ، فالله وحده هو المعبود بحق ، لا إله غيره ولا رب سواه ، وعيسى عبد الله ورسله ، والروح القدس هو ملاك الله جبريل ـ عليه السلام ـ المبلغ وحيه إلى أنبيائه ورسله ، والواجب عليهم الاعتقاد أن هذا الروح النازل مثل حمامة على المسيح ـ عليه السلام ـ هو ملاك الله جبريل أمين وحي الله إلى المسيح وإلى جميع الأنبياء عليهم السلام ، ويدل على ذلك ـ إضافة إلى ما سبق الاشارة إليه من مصادرهم ـ أن من يسمونه بولس الرسول أخـبر أن:(( جبرائيل روح الله الحي )) .
ج ـ أن في قول نبي الله يحيى بن زكريا في إنجيل متى : (( أنا أعمدكم بماء للتوبة ولكن الذي يأتي من بعدى هو أقوى مني الذي لست أهلاً أن أحمل حذاءه هو سيعمدكم بالروح القدس ونار )) ، وقوله أيضاً في إنجيل لوقا : (( أنا أعمدكم بماء ولكن يأتي من هو أقوى مني الذي لست أهلاً أن أحل سيور حذائه ، هو سيعمدكم بالروح القدس ونار )) ، فهذه النصوص تدل على أن التعميد لم يكن باسم الثالوث المقدس ـ كما يعتقد النصارى ـ بل هو بروح القدس فقط ، وهذا هو الذي اتفقت عليه نصوصهم المقدسة ، أن يحيى ـ عليه السلام ـ شهد وبلغ بني إسرائيل بأن المسيح سيعمدهم بروح القدس ، وهذا يدل على بطلان اعتقاد النصارى أن المسيح أمر تلاميذه ـ على زعمهم ـ أن يعمدوا الناس باسم الثالوث المقدس حين قال : (( فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمـدوهم باسم الأب والابـن والـروح القـدس )) ، علماً أنه لم يرد عن المسيح ـ عليه السلام ـ في الأناجيل والرسائل أنه عمد أحداً من أتباعه باسم الروح القدس ، أو بأي واحد من الأقانيم الثلاثة ، ولو كان هذا هو الاعتقاد الحق لأمر أتباعه بذلك ، بل لقد صرح أن الروح القدس الذي يعلمهم كل شيء لم يأت بعد ؛ لأنه سيأتي في وقت لاحق ، إذ قال عليه السلام : (( وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي ، فهو يعلمكم كل شيء ، ويذكركم بكل ما قلته لكم )) ، وقال عليه السلام : (( وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق ، لأنه لا يتكلم من نفسه ، بل كل ما يسمع يتكلم به )) ، وقوله أيضاً : (( ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب روح الحق الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي )) ، فكيف يكون الروح القدس إلهاً ثالثاً وهو لم يأت بعد ؟ وكيف يتعمدون باسم الثالوث المقدس وهم ليسوا على يقين هل جاء كما أخبر المسيح ، أم أنه ما زال منتظراً ، وأي حاجة لهم بانتظار من يأتي من بعده ، وهم قد غفرت ذنوبهم بموت المسيح على الصليب ـ كما يعتقدون ـ يقول المهتدي عبد الأحد داود : إن الاعتقاد بأن موت عيسى على الصليب قد فدى المؤمنين من لعنة الخطيئة الأصلية ، وأن روحه وبركته وحضوره في القربان المقدس سيبقى معهم إلى الأبد ، هذا الاعتقاد تركهم دون حاجة إلى عزاء أو مجئ معزٍّ ، ومن ناحية أخرى فإنهم إذا كانوا بحاجة إلى معزٍّ كهذا فإن جميع الادعاءات والمزاعم النصرانية حول تضحية المسيح وتحمله آلام الصلب ، تتهافت وتصبح باطلة ... إن فكرة وسيط بين الله والناس هي أكثر استحالة حتى من فكرة المعزي ، إذ لا يوجد وسيط بين الخالق والمخلوق ، ووسيطنا أو شفيعنا المطلق هو وحدانية الله فقط ، إن المسيح كان ينصح بالصلاة إلى الله سراً والدخول في مقصوراتهم وإقفال الأبواب عليهم عند أداء الصلاة ـ لأنه تحت هذه الظروف فقط يستمع (( أبوهم الذي في السماء )) لصلواتهم ويمنحهم بركته وغوثه ـ فإن المسيح لم يستطع أن يعدهم بوسيط أو شفيع، فكيف نستطيع التوفيق بين هذه المتناقضات .
أما نحن المسلمين فإننا على يقين أن بشارات المسيح بالمعزي الروح القدس الآتي ، هو محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ، كما ذكر ذلك بعض المهتدين من النصارى ، وغيرهم من الباحثين المسلمين .
ح ـ إن الروح القدس كان معروفاً في كلام الأنبياء المتقدمين والمتأخرين ، وليس له مراد يخالف ظاهر ما دلت عليه نصوص الكتب الإلهية التي ورد الاستشهاد بعدة نصوص منها ، يؤكد ذلك الإمام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ إذ يقول : وأما روح القدس : فهي لفظة موجودة في غير موضع من الكتب التي عندهم ، وليس المراد بها حياة الله باتفاقهم ، بل روح القدس عندهم تحل في إبراهيم وموسى وداود وغيرهم من الأنبياء والصالحين ، والقرآن قد شهد أن الله أيد المسيح بروح القدس ، كما قال الله تعالى : (( وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس )) ، في موضعين من البقرة ، وقال تعالى : (( يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس )) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت : (( إن روح القدس معك ما دمت تنافح عن نبيه )) ، وقال : (( اللهم أيده بروح القدس )) ... وروح القدس قد يراد بها الملك المقدس كجبريل ، ويراد بها الوحي ، والهدى والتأييد الذي ينزله الله بواسطة الملك أو بغير واسطته ، وقد يكونان متلازمين فإن الملك ينزل بالوحي ، والوحي ينزل به الملك ، والله يؤيد رسله بالملائكة وبالهدى .. قال تعالى : (( يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده ، لينذر يوم التلاق )) ، وقال تعالى : (( أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه )) ... وإذا كان روح القدس معروفاً في كلام الأنبياء المتقدمين والمتأخرين أنها أمر ينزله الله على أنبيائه وصالحي عباده سواء كان ملائكة تنزل بالوحي والنصر ، أو وحياً وتأييداً مع الملك وبدون الملك ، وليس المراد بروح القدس أنها حياة الله القائمة به ، كما قال (المسيح) : (( عمدوا الناس باسم الأب والابن وروح القدس )) ، ومراده مروا الناس أن يؤمنوا بالله ونبيه الذي أرسله ، وبالملك الذي أنزل عليه الوحي الذي جاء به ، فيكون ذلك أمراً لهم بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ، وهذا هو الحق الذي يدل عليه صريح المعقول وصحيح المنقول ، فتفسير كلام المعصوم بهذا التفسير الذي يوافق سائر ألفاظ الكتب التي عندهم ويوافق القرآن والعقل أولى من تفسيره بما يخالف صريح المعقول وصحيح المنقول ، وهذا تفسير ظاهر ليس فيه تكلف ، ولا هو من التأويل الذي هو صرف الكلام عن ظاهره إلى ما يخالف ظاهره ، بل هو تفسير له بما يدل ظاهره عليه باللغة المعروفة والعبارة المألوفة في خطاب المسيح وخطاب سائر الأنبياء .
خ ـ أن ما جاء في رسائل بولس من عبارات تنسب إلى الروح القدس مايمكن أن ينسب إلى أسماء الله وصفاته وأعماله وعبادته ، وبالأخص قوله : (( نعمة ربنا يسوع المسيح ، ومحبة الله ، وشركة الروح القدس مع جميعكم ، آمين )) ، هذه العبارات هي التي حملت النصارى على الاعتقاد بألوهية المسيح وألوهية الروح القدس ، وهي التي فتحت الباب إلى القول بالتثليث ، ومع ذلك فإن استدلالهم بهذه العبارات باطل ومردود ، للأدلة الآتية :
1 ـ أنه ليس فيها مايدل على أن لفظ الروح القدس معناه الإله ، وليس فيها مايدل على مايمكن أن ينسب إليه من أسماء الله وصفاته وأعماله وعبادته ، وأنه ـ على زعمهم ـ الأقنوم الثالث في ثالوثهم المقدس ، بل الحق أنها تدل على معنى القوة والثبات التي يؤيد الله بها من يشاء من عباده المؤمنين ، وهذا هو الذي دلت عليه نصوص العهد القديم والعهد الجديد ، فلفظ الروح القدس لاتخرج عن هذا المعنى الذي سبق بيانه في الفقرات السابقة ، ولاعن المعاني التي سبق بيانها عند الحديث عن حقيقة الروح القدس في المبحث الأول .
2 ـ أنه ـ على فرض ـ أن بولس يعني بهذه العبارات ألوهية المسيح وألوهية الروح القدس ، فإنه يكون قد خالف أقوال المسيح ـ عليه السلام ـ التي تدل على بطلان هذا الزعم الباطل ، ويكون قد دعا إلى عقيدة تخالف العقيدة التي دعا إليها المسيح ، وشرع خلاف شريعة المسيح ، علماً أنه ليس من تلاميذ المسيح ولا من رسله ، ولم يشاهد المسيح إطلاقاً ، ولا سمعه يبشر بدعوته ، بل كان من أشد اليهود عداء للمسيح وأتباعه ، فقد كان يسافر من القدس إلى دمشق ليأتي بالنصارى لعقابهم وإنزال الأذى بهم ، ثم بعد زعمه الانضواء تحت ظل النصرانية ، ظل موضع شك تلاميذ المسيح في صدق دعواه ؛ لأنهم رأوا منه مايخالف دين المسيح ـ عليه السلام ـ فقد اختلف بولس مع برنابا أحد تلاميذ المسيح ، كما أن بطرس رئيس الحواريين أنكر على بولس دعوته التي خالف بها دعوة المسيح ، كما قامت ضده طوائف النصارى في آسيا ، ورفضت تعاليمه وإنجيله كما اعترف بذلك في رسالته الثانية إلى تيموثاوس ، وحين يئس من قبول نصارى الشرق في عصره لتعاليمه الغريبة ، فقد التجأ إلى الشعوب الأوربية ، وصار يبث بينهم تعاليمه شيئا
فشيئا ، حتى تمكن منهم ، فأباح لهم كافة المحرمات ، ورفع عنهم جميع التكاليف من الشريعة الموسوية التي جاء بها المسيح ـ عليه السلام ـ فوافق مذهبه مشارب الوثنيين في أوربا ، فكثر تابعوه ومقلدوه في حياته وبعد مماته ، التي خالفوا فيها عقيدة المسيح وأتباعه ، كما دل على ذلك رسالته إلى أهل رومية التي أبطل فيها شريعة التوراة .
وبهذا يتبين أن بولس هو الذي وضع البذور التي نقل بها النصرانية من التوحيد إلى التثليث ، ووافقت فكرة التثليث الجماهير التي كانت قد نفرت من اليهودية لتعصبها ، ومن الوثنية لبدائيتها ، فوجدت في الدين الجديد ملجأ لها ، وبخاصة أنه أصبح غير بعيد عن معارفهم السابقة التي ألفوها وورثوها عن أجدادهم .
وهذا التحريف لدين المسيح الحق الذي أحدثه بولس ، اعترف به بعض علماء النصارى قديماً وحديثاً ، يقول جورجيا هاركنس من علمائهم : (( وهذا التثليث افترضه بولس في نهاية رسالته الثانية إلى كورنثوس ، حيث يعطي الكنيسة بركته بقوله : (( نعمة ربنا يسوع المسيح ، ومحبة الله ، وشركة الروح القدس مع جميعكم ، آمين )) ، وتستعمل هذه الكلمات كبركة في ختـام خدمات العبـادة لقـرون عـديدة )) .
وهذا الباب الذي فتحه بولس على النصرانية ، ظل ـ كما يقول الدكتور أحمد شلبي ـ : (( مفتوحاً ، واستطاع بعض أتباع بولس أن يصيروا من آباء الكنيسة وذوي الرأي فيها ، وتم امتزاج تقريباً بين آراء مدرسة الإسكندرية وبين المسيحية الجديدة )) ، ثم ذكر الدكتور شلبي قول ( ليون جوتيه) : (( إن المسيحية تشربت كثيراً من الآراء والأفكار الفلسفية اليونانية ، فاللاهوت المسيحي مقتبس من المعين الذي صبت فيه الإفلاطونية الحديثة ، ولذا نجد بينهما مشابهات كثيرة ))...)) .
وهكذا فإن بولس سواء قال بألوهية المسيح وألوهية الروح القدس أولم يقل ، وسواء قال بالتثليث أولم يقل ، فإن أقواله تلك حملت النصارى من بعده على القول بالتثليث ، وأصبحت كلماته التي جاء بها في رسائله كتاباً مقدساً ، له ماللإنجيل من حرمة واحترام ، فتناولها الشراح والدارسون من رجال الدين بكل مايملكون من طاقات البحث والنظر ، وخرجوها على كل وجه ممكن أو غير ممكن ، فكانت منها تلك الفلسفة اللاهوتية التي شغلت العقل النصراني ولاتزال تشغله ، فكانت سبباً من أكبر الأسباب في نقل ديانة المسيح ـ عليه السلام ـ من التوحيد إلى الشرك .
ومع صريح ما تدل عليه ظاهر نصوص كتبهم المقدسة بشأن حقيقة الروح القدس ، وبطلان اعتقاد النصارى ألوهيته ، وأنه الأقنوم الإلهي الثالث في ثالوثهم المقدس ، فإنهم يعتقدون أنه غير ملاك الله جبريل ـ عليه السلام ـ كما يعتقدون خصوصية حلول الروح القدس على المسيح وعلى المؤمنين من أتباعه وأنه يلهمهم ، وبيان ذلك والرد عليه في المبحث القادم إن شاء الله .

الاثنين، 8 أبريل، 2013

مراحل إقرار النصارى ألوهية الروح القدس

بعد أكثر من ثلاثة قرون من رفع المسيح ـ عليه السلام ـ اجتمع الخـلف مـن النصارى في نيقية سنة 325 م ، وصدر عن هذا الاجتماع أول قانون إيمان مقـدس لهم ، أقروا فيه اعتقاد ألوهية المسيح ـ عليه السلام ـ كما أشاروا فيه إلى الـروح القدس بقولهم : (( ونؤمن بالروح القدس )) دون أن يذكروا حقيقته والأعمـال الموكولة إليه ، وإنما أعلنوا إيمانهم به فقط ، ولعل عدم ذكرهم لحقيقته لأجل تبـرئة أنفسهم من الافتراء اليهودي على الروح القدس .
وبعد أكثر من خمسين سنة عقدوا مجمعاً آخر في مدينة القسطنطينية سنة 381 م ، فأقروا قانون الإيمان السابق في نيقية ، ثم أضافوا الاعتقاد بألوهية الروح القـدس ، مع بيان بعض صفاته ، فقالوا : (( ونؤمن بالروح القدس الرب المحيي المنبثق مـن الآب ، الذي هو مع الآب والابن مسجود له وممجد ، الناطق في الأنبـياء )) ، وجاء أيضاً عن صفات الروح القدس حسب تعبير أحد قديسيهم القدماء قوله : (( الناطق بالناموس ، والمعلم بالأنبياء الذي نزل إلى الأردن ونطق بالرسل ، وهو يحل في القديسين ، وهكذا نؤمن به أي أنه الروح القدس روح الله )) ، كما جاء في قاموس كتابهم المقدس : (( ويعلمنا الكتاب المقدس بكل وضوح عن ذاتية الروح القدس ، وعن ألوهيته ، فنسب إليه أسماء الله كالحي ، ونسب إليه الصفات الإلهية كالعلم ، ونسب إليه الأعمال الإلهية كالخلق ، ونسب إليه العبادة الواجبة لله ، وإذ حبلت السيدة العذراء حبل بالمسيح فيها من الروح القدس ، ولما كتب الأنبياء والرسل أسفار الكتاب المقدس ، كانوا مسوقين من الروح القدس ، الذي أرشدهم فيما كتبوا ، وعضدهم وحفظهم من الخطأ ، وفتح بصائرهم في بعـض الحـالات ليكتبوا عـن أمور مستقبلة )) .
وبعد أن أقروا في مجمع القسطنطينية قانون مجمع نيقية السابق المتضمن اعتقاد ألوهية المسيح ، ثم إضافتهم اعتقاد ألوهية الروح القدس ، فقد اكتملت عند النصارى الأقانيم الثلاثة ، لكن ذلك لم يحل دون وجود من ينكر بعض هذه الاعتقادات المنافية للتوحيد ، فقد كان سبب عقد مجمع القسطنطينية ـ الآنف الذكر ـ الذي أضافوا فيه الاعتقاد بألوهية الروح القدس ، أن أسقف القسطنطينية البطريرك مكدونيوس ينكر ألوهية الروح القدس ، ويعتقد أنه كسائر المخلوقات ، وخـادم للابن كأحد الملائكة ، وقد ناقشه المجـمع ، ثم أصدر قراراً بحرمانه وحـرمان دعـوته ، وتجـريده مـن رتبته الدينية ، وهذا يدل على وجود دعاة التوحيد ، ومعارضتهم للاعتقادات المنافية له ، التي تنسب الألوهية لغير الله .
ثم ظهر الاختلاف حول أم المسيح ـ عليه السلام ـ حيث ظهر من يدعو بأن مريم لاتدعى أم الإله ، بل أم الإنسان ، وأحدث هذا نزاعاً شديداً بين كنائس النصارى ، لأن صاحب هذه الدعوة هو البطريرك نسطور بطريرك كنيسة القسطنطينية .ولأجل حل النزاع في هذه القضية عقدوا مجمع أفسس الأول سنة 431 م ، وصدر عنه القرار الآتي : (( نعظمك يا أم النور الحقيقي ، ونمجدك أيتها العذراء المقدسة ، والدة الإله ، لأنك ولدت لنا مخلص العالم ، أتى وخلص نفوسنا ، المجد لك ياسيدنا وملكنا المسيح ، فخر الرسل ، إكليل الشهداء ، تهليل الصديقين ، ثبات الكنائس ، غفران الخطايا ، نبشر بالثالوث المقدس ، لاهوت واحد ، نسجد له ونمجده )) .
ثم ظهر الاختلاف حول طبيعة المسيح بعد اعتقادهم ألوهيته ، فعقدوا مجمعاً في خلقدونية سنة 451 م ، فقرر الكاثوليك الاعتقاد أن للمسيح طبيعتين ومشيئتين ، طبيعة إنسانية كاملة ، وطبيعة إلهية كاملة ، ومشيئة إنسانية كاملة ، ومشيئة إلهية كاملة، وأن الأب مستقل بأقنومه ، والمسيح مستقل بأقنومه ، وهما متساويان في اللاهوت فقط ، وقد رفض الأرثوذكس هذه العقيدة وزعموا أن المسيح هو الله ( تعالى الله عن قولهم ) ، وقالوا : إن للمسيح طبيعة إلهية واحدة ومشيئة إلهية واحدة ، فقرر أساقفة روما مع بعض أساقفة الشرق الحكم بعزل بطريرك الإسكندرية ونفيه ؛ لأنه كان يدعي أن للمسيح طبيعة واحدة ، ثم نادوا بعقيدة الطبيعتين والمشيئتن ، وبعدها رفضت كنيسة الإسكندرية قرارات مجمع خلقدونيه ، كما رفضت قرارات المجامع التي عقدت في القسطنطينية بعد ذلك سنة 553 م ، وسنة 610 م ، وسنة 786م ، لمخالفة الذين اشتركوا فيها مع عقيدتهم بأن للمسيح طبيعة واحدة ومشيئة واحدة .
ثم ظهر نزاع آخر بين النصارى بسبب الاختلاف بينهم حول انبثاق الروح القدس ، هل هو من الأب فقط ، أم من الأب والابن ؟ فعقدوا لذلك مجمعاً لحل النزاع في هذه القضية في طليطلة بأسبانيا سنة 589م ، فأقروا فيه نفس قانون الإيمان السابق ، ثم أضافوا الاعتقاد بانبثاق الروح القدس من الابن أيضاً ، وقد أصبحت هذه الزيادة هي عقيدة الكنائس الغربية الكاثوليكية والإنجيلية التي تنص على انبثاق الروح القدس من الأب والابن ، ورفضت الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية هذه الزيادة ،وظلت متمسكة باعتقاد أن الروح القدس منبثق من الأب وحده .
ويلاحظ المتتبع لمراحل تكوين العقائد النصرانية كثرةعقد المجامع الدينية التي تصدر قرارات جديدة بإضافات حول العقيدة ، وسبب ذلك كثرة المعارضين للعقائد الدخيلة من أنصار دعوة التوحيد ، أو من الذين ما زالوا على بقايا من دعوة المسيح ، أو من الذين لم يعتقدوا هذه العقيدة أو تلك ، فمنهم من ينكر لاهوت المسيح ، ومنهم من ينكر لاهوت الروح القدس ، ومنهم من ينكر وجود الأقانيم الثلاثة ، ومنهم من ينكر عقيدة الصلب والفداء ، ويعتقد أن خطيئة آدم قاصرة عليه ، ولم تنتقل إلى نسله ، وهذه الظاهرة هي السبب في تعدد عقد المجامع ، لأن أنصار كل فريق يعقدون اجتماعاً للرد على أنصار الفريق الآخر وإبطال قوله ، والنتيجة تنتهي ليس بكثرة العدد وقوة الحجة وموافقة الحق ، وإنما بقرار من رجال الدين الذين تدعمهم السلطة السياسية ، بما تتفق أهواؤهم ومصالحهم عليه ، ثم يحسم الأمر ويتقرر في النهاية أي الفريقين يفوز بالتأييد ، وفي كثير من الأحيان تتدخل السلطة السياسية بحسم الأمر حسب ماتراه محققاً لوحدة الا مبراطورية من التمرزق والانقسام.
وشاهد ذلك أن الامبراطور قسطنطين قد أعلن ميوله وعطفه على النصارى من أجل الحفاظ على مقومات النصر على خصمه ، فأعلن دفاعه عن مذهب أثناسيوس القائل بالتثليث حينما كانت عاصمة دولته في روما ، ومن أجل ذلك رأس مجمع نيقية سنة 325م ، وتذكر مصادر النصارى أن أولئك الثلاثمائة والثمانية عشر لم يكونوا مجمعين على القول بألوهية المسيح ، ولكن اجماعهم كان تحت سلطان الإغراء بالسلطة الذي قام به قسطنطين بدفعه إليهم شارة ملكه ليتحكموا في المملكة ، فقد دفعهم حب السلطان إلى أن يوافقوا هوى قسطنطين الذي ظهر في عقد مجلس خاص بهم دون الباقين ، لاعتقاده إمكان إغرائهم ، فأمضى أولئك ذلك القرار تحت سلطان الترغيب أو الترهيب ، أوهما معاً ، وبذلك قرروا ألوهية المسيح ، وقسروا الناس عليه بقوة السيف ورهبة الحكام .
وحينما صدر قرار مجمع نيقية ضد أريوس وحرمانه ، وتجريده من رتبته الدينية ، صدَق قسطنطين على ذلك القرار .
فلما عزم الامبراطور قسطنطين على نقل عاصمة دولته من روما إلى القسطنطينية ، والتي يوجد فيها أكثرية نصرانية تعتنق مذهب أريوس ، أحضره وعفا عنه ، يقول فاسيــليف : (( عندما شرع قسطنطـــين في نقل عاصمته إلى الشرق ، وأحس بالحاجة إلى استرضاء سكان القسم الشرقي من الامبراطورية لم يجد غضاضة في تغيير عقيدته أوميوله نحو المذهب الأريوسي )) .
فاستدعى أريوس من منفاه سنة 327م ، وعقد له مجمع صور سنة 334م ، وألغى قرار الطرد .
ويقال : إن أول امبراطور تعمد باسم الثالوث حسب عقيدة النصارى ، هو الامبراطور ثيودوسيوس الكبير الذي رعى عقد مجمع القسطنطينية ، وأنه وقادة الكنيسة تنفسوا الصعداء وشعروا كما شعر الامبراطور قسطنطين وقادة الكنيسة بعد قبول قانون الإيمان النيقوي في سنة 325 م ، بسرور وارتياح عظيمين ؛ لأنهم ظنوا بأن مجمع نيقية استطاع أن يستأصل الهرطقة من جذورها ، وأن يعيدوا الوحدة إلى الامبراطورية وإلى الكنيسة المهددتين بالانقسام والاضطراب .
وعندما تقرر رسمياً إقرار الاعتقاد بألوهية الروح القدس في مجمع القسطنطينية سنة 381م ، أصدر الامبراطور ثودوسيوس الكبير مرسوماً أعلن فيه : (( حسب تعليم الرسل وحق الإنجيل ، يجب علينا أن نؤمن بلاهوت الأب والابن والروح القدس ، المتساوي في السلطان ، وكل من يخالف ذلك يجب عليه أن ينتظر منا العقوبات الصارمة التي تقتضي سلطتنا بإرشاد الحكمة السماوية أن نوقعها به ، علاوة على دينونة الله العادل )) .
ويستنتج زكي شنودة في آخر البحث الخامس الذي عقده للحديث عن المجامع : (( أن هذه المجامع كانت في بداية أمرها وسيلة للدفاع عن الإيمان المسيحي ، ثم لم تلبث أن أصبحت بعد ذلك أداة في يد الامبراطور لتنفيذ أغراضه ، مستغلاً في ذلك مطامع الأساقفة وطموحهم إلى الجاه والنفوذ والسلطان ، وهكذا أصبحت المجامع أداة هدم بعد أن كانت أداة بناء ، وقد فتحت الباب على مصراعيه للخصومة بين المسيحيين في البلاد المختلفة )) .
ولكن استنتاجه هذا يرفضه سرده هو للأحداث ، فإن المجامع من أول لحظة عقدت فيها وهي تحت سلطان الدولة ، وشواهد ذلك من كلامه إذ يقول : (( وقد عقد في نيقية عاصمة بثينية بآسيا الصغرى في 20 مايو سنة325 ميلادية بأمر الامبراطور قسطنطين الكبير وقد حضره بنفسه )) ، ويقول : (( وعند افتتاح جلسات المجمع دخل الامبراطور قسطنطين وتصدر الاجتماع ، ثم ألقى خطاباً حض فيه على فض المشاكل بالحكمة )) ، وقال في مجمع القسطنطيـنية سنة 381 م : (( وقد عقد في مدينة القسطنطينية بأمر الامبراطور ثاؤدوسيوس الكبير )) ، وقال في مجمع أفسـس الأول سنة 431 م : (( وقد عقد في مدينة أفسس بأمر الامبراطور ثاؤدوسيوس )) ، وقال في مجمع أفسس الثاني سنة 449 م : (( وقد عقد مجمع أفسس الثاني سنة 449 ميلادية بأمر الامبراطور تاؤدوسيوس )) .
أما في مجمع خلقدونية سنة 451 م فلم يذكر اسم الامبراطور الذي أمر بانعقاده ، فدلت هذه الشواهد على أن ما قاله زكي شنودة ليس مستقيماً ؛ لأن المجامع كلها التي تعترف بها الكنيسة القبطية كانت بأمر الامبراطور، والمؤرخون السياسيون يقررون أن الأباطرة جميعاً استخدموا الدين سلاحاً لكسبهم السياسي ، ولو كانت المجامع حقاً للدفاع عن الإيمان لما تركت الدين القويم الذي جاء به المسيح عليه السلام ، ولما تركت أعمال الحواريين الذين كانوا على الدين الحق ، التي لا يوجد شىء منها في قانون الإيمان المقدس عندهم ، ولا في وقائع عمل المجامع خاصة فيما يتعلق بالعقيدة التي هي لب الإيمان (102) .
وبعد هذا العرض لمراحل إقراراعتقاد ألوهية الروح القدس عند النصارى نستنتج مايأتي :
1ـ إقرارهم في مجمع نيقية سنة 325 م ، الإيمان بروح القدس ، فقالوا : (( ونؤمن بالروح القدس )) دون أن يذكروا حقيقته والأعمال الموكولة إليه .
2 ـ إقرارهم في مجمع القسطنطينية سنة 381 م ، إضافة الاعتقاد بألوهية الروح القدس ، مع إضافة بعض صفاته ، فقالوا : (( ونؤمن بالروح القدس الرب المحيي المنبثق من الآب ، الذي هو مع الآب والابن مسجود له وممجد ، الناطق في الأنبياء )) ، كما جاء عن أحد قديسيهم ، وكذا في قاموس كتابهم المقدس تفصيلات أكثر وضوحاً عن صفات الروح القدس ، والأعمال الموكولة إليه ، كما سبق الإشارة إلى ذلك .
3 ـ أن من النصارى من ينكراعتقاد ألوهية الروح القدس ، كأسقف القسطنطينية البطريرك مكدونيوس ،الذي يعتقد أنه كسائر المخلوقات ، وخادم للابن كأحد الملائكة.
4 ـ اختلاف النصارى حول طبيعة المسيح ، بعد إقرارهم اعتقاد ألوهيته ، هل هو ذو طبيعتين ومشيئتين إلهية وإنسانية ، أم ذو طبيعة واحدة ومشيئة واحدة إلهية وإنسانية ؟ واختلافهم أيضاً حول انبثاق الروح القدس ، هل هو من الآب فقط ، أم من الآب والابن ؟ وكان هذا الاختلاف حول طبيعة المسيح وانبثاقه ، سبب انقسام النصارى إلى طوائف متعددة ، كل طائفة تنكر ما عليه الطائفة الأخرى .
5 - كثرة عقد المجامع في مراحل تكوين العقائد النصرانية التي تصدر عنها قرارت أخرى بإضافة عقائد جديدة ، وذلك بسبب كثرة المعارضين للعقائد الدخيلة من أنصار دعوة التوحيد ، أومن الذين مازالوا على بقايا من دعوة المسيح عليه السلام .
6- اضطراب ميول الأباطرة بين تأييد أصحاب العقائد التي تتفق مع وثنيتهم السابقة ، وبين ما يحقق الوحدة إلى إمبراطوريتهم ويجنبها الانقسام والاضطراب ، بدليل دعوتهم لعقد هذه المجامع ورعايتهم لها ، وتأييدهم ما يرونه محققاً لأهدافهم الشخصية والسياسية .
ومن هذا يتبين ضلال النصارى واختلافهم في مراحل إقرار ألوهية الروح القدس ،وأنهم ليسوا على شئ ، حتى يقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم ، إذ قد أقروا ببعض الحق وضلوا عن أكثره ، فحين أقروا ببعض الأعمال والوظائف الموكولة إلى الروح القدس ، والصفات التي وصفوه بها ، وهي قولهم : الناطق في الأنبياء ، الناطق بالناموس ، والمعلم بالأنبياء ، الذي نزل إلى الأردن ونطق بالرسل ، روح الله ، الذي حبلت منه السيدة العذراء ، الذي يؤيد الله به من يشاء من عباده ، ويعضدهم ويحفظهم ، ويلهمهم ، فهذه من صفات الروح القدس جبريل ـ عليه السلام ـ وهذا هو الحق الذي دلت عليه نصوص كتبهم المقدسة من التوراة والإنجيل ، وهو الذي يجعله الله في قلوب الأنبياء ، هذا إذا كان الروح القدس ليس صفة الله حسب اعتقادهم ألوهيته ، لأن صفة الرب القائمة به لاتنطق في الأنبياء ، ولاتقوم بتلك الأعمال التي ذكروها ، بل هذا كله صفة جبريل ـ عليه السلام ـ وهو الروح القدس كما هو مذكور في الكتب الإلهية ، الذي يجعله الله في قلوب الأنبياء بإلهام الوحي الإلهي، وبالقوة والثبات والنصرة التي يؤيد الله بها من يشاء من عباده المؤمنين
كما تبين لنا أن مراحل إقراراعتقاد النصارى ألوهية المسيح ـ عليه السلام ـ وألوهية الروح القدس ، وما تمخض عن هذه العقائد من إضافات عقدية واختلافات حولها في أروقة مجامعهم المقدسة ، كانت بدافع الرغبة في السلطان من قبل رجال الدين ، بإغراء من سلطة الأباطرة ، الذين يؤيدون ما يتفق مع رغباتهم وميولهم ، وما يتصورون أن يحقق الأمن والاستقرار لوحدة دولتهم من التمزق والانقسام ،الذي ينتج عن الاختلافات العقدية ، فكانت تلك القرارت العقدية تحت سلطان الترغيب والترهيب ، الذي أدى إلى انحراف النصرانية عن مسارها الصحيح كما أنزلها الله على عبده ورسوله عيسى بن مريم ، وآمن به أتباعه من بعده .
أما مرحلة اعتقادهم ألوهية الروح القدس بعد مراحل إقرار ألوهيته في مجمع القسطنطينية ، بعد هذه المدة التي تجاوزت أكثر من ثلاثة قرون من رفع المسيح ـ عليه السلام ـ فهو مردود وباطل ، كما سنعرف ذلك في المباحث القادمة إن شاء الله .المصدر:
الروح القدس في عقيدة النصارى دراسة نقدية في ضوء المصادر الدينية -
للدكتور . عبد الله بن عبد العزيز الشعيبي

المزامير تبشر بصفات نبي آخر الزمان1

المزامير تبشر بصفات نبي آخر الزمان: وها هي المزامير تبشر بالنبي الخاتم، ويصفه أحد مزاميرها، فيقول مخاطباً إياه باسم الملك: "فاض قلبي ...