الاثنين، 28 مارس، 2016

مصادر عقيدة الفداء والخلاص4

    مصادر عقيدة الفداء والخلاص :
فمن أين جاء اليهود بفكرة وراثة الذنب ؟ هل هو من صناعتهم، أم أنه منقول عن غيرهم؟
والصحيح هو أن فكرة وراثة الذنب منقولة عن الأمم الوثنية التي جاورت اليهود وانتشر فيها هذا الفكر، وهذا الذي عابه عليهم

الكتاب المقدس " وصاروا باطلاً وراء الأمم الذين حولهم، والذين أمرهم الرب أن لا يعملوا مثلهم ... فغضب الرب جداً على 

إسرائيل ونحاهم من أمامه " (الملوك (2) 17/9 - 18 ).

ومن أقدم القائلين بوراثة الذنب، الهنود الوثنيون، وقد نقل المؤرخ هورينور وليمس أن من تضراعاتهم: "إني مذنب، ومرتكب الخطيئة، وطبيعتي شريرة، وحملتني أمي 

 بالإثم، فخلصني يا ذا العين الحندقوقية، يا مخلص الخاطئين، يا مزيل الآثام والذنوب ". 
فكرة الفادي في الوثنيات القديمة

سرى في كثير من الوثنيات السابقة على المسيحية فكرة الفادي والمخلص الذي يفدي شعبه أو قومه، وكانت الأمم البدائية 

القديمة تضحي بطفل محبوب، لاسترضاء السماء، وفي تطور لاحق أضحى الفداء بواسطة مجرم حكم عليه بالموت، وعند البابليين كان الضحية يلبس أثواباً ملكية، لكي يمثل بها ابن الملك، ثم يجلد ويشنق.

وعند اليهود خصص يوم للكفارة يضع فيه كاهن اليهود يده على جدي حي، ويعترف فوق رأسه بجميع ما ارتكب بنو إسرائيل من مظالم، فإذا حمل الخطايا أطلقه في البرية.

ومعلوم أيضاً ما يعطيه الفكر اليهودي للبكر من أهمية خاصة، إذ تقول التوراة: " قدس لي كل بكر، كل فاتح رحم من بني 

إسرائيل من الناس والبهائم إنه لي " ( الخروج 13/2)، والمسيح هو بكر الخلائق، وأليقها بأن يكون البكر المذبوح. 
موت الإله الفادي
وأما فكرة موت الإله فهي عقيدة وثنية يونانية، حيث كان اليونانيون يقولون بموت بعض الآلهة، لكن اليونان كانوا يحتفظون 

بآلهة أخرى تسيّر دفة الكون، بينما النصارى حين قالوا بموت الإله لم يحتفظوا بهذا البديل، ولم يخبرنا أولئك الذين يعتقدون بأن 

الله هو المسيح من الذي كان يسير الكون ويرعى شئونه خلال الأيام التي مات فيها الإله. أي الأيام الثلاثة التي قضاها في القبر.

والفداء عن طريق أحد الآلهة أو ابن الله أيضاً موجودة في الوثنيات القديمة، وقد ذكر السير آرثر فندلاي في كتابه " صخرة الحق 
" أسماء ستة عشر شخصاً اعتبرتهم الأمم آلهة سعوا في خلاص هذه الأمم. منهم: أوزوريس في مصر 1700 ق.م، وبعل في 

بابل 1200ق.م، وأنيس في فرجيا 1170 ق.م، وناموس في سوريا 1160 ق.م، وديوس فيوس في اليونان 1100 ق.م، 

وكرشنا في الهند 1000 ق.م، وأندرا في التبت 725 ق.م، وبوذا في الصين 560 

ق.م، وبرومثيوس في اليونان 547 ق.م، ومترا (متراس) في فارس 400 ق.م. (1)

ولدى البحث والدراسة في معتقدات هذه الأمم الوثنية نجد تشابهاً كبيراً مع ما يقوله النصارى في المسيح المخلص.

فأما بوذا المخلص عند الهنود والصينيين فلعله أكثر الصور تطابقاً مع مخلص النصارى، ولعل مرد هذا التشابه إلى تأخره التاريخي فكان تطوير النصارى لذلك المعتقد محدوداً.

والبوذيون - كما نقل المؤرخون - يسمون بوذا المسيح المولود الوحيد، ومخلص العالم، ويقولون: إنه إنسان كامل وإله كامل 

تجسد بالناسوت، وأنه قدم نفسه ذبيحة ليكفر ذنوب البشر ويخلصهم من ذنوبهم حتى لا يعاقبوا عليها.

وجاء في أحد الترنيمات البوذية عن بوذا " عانيت الاضطهاد والامتهان والسجن والموت والقتل بصبر وحب عظيم لجلب السعادة للناس، وسامحت المسيئين إليك ".
وللحديث بقية إن شاء الله وقدر.

الجمعة، 25 مارس، 2016

مصادر عقيدة الفداء والخلاص3

مصادر عقيدة الفداء والخلاص
عقيدة الفداء والوثنيات السابقة

سؤال يطرح نفسه: من أين أتى بولس بهذه العقيدة؟ هل هي من إبداعاته الذاتية أم أنه استقاها من مصادر قديمة؟ وإن كان كذلك فما هي هذه المصادر؟ وما مقدار استفادة بولس منها؟
مسألة وراثة الذنب مسألة معروفة في الفكر اليهودي قبل المسيحية بقرون عدة، وقد وردت عدة نصوص تتحدث عنها وتؤكدها، منها " صانع الإحسان لألوف، ومجازي ذنب الآباء في حضن بنيهم بعدهم، الإله العظيم الجبار رب الجنود اسمه " ( إرميا 32/18 ).
ومثله ما جاء في سفر التثنية: " لا يدخل ابن زنى في جماعة الرب حتى الجيل العاشر " ( التثنية 23/2 ).
وجاء في سفر العدد " الرب طويل الروح كثير الإحسان يغفر الذنب والسيئة، ولكنه لا يبرئ، بل يجعل ذنب الآباء على الأبناء إلى الجيل الثالث والرابع " ( العدد 14/18 - 19 ).
وفي سفر الخروج " غافر الإثم والمعصية والخطيئة، ولكنه لن يبرئ إبراء، مفتقد إثم الآباء في الأبناء، وفي أبناء الأبناء في الجيل الثالث والرابع " ( الخروج 34/7 ).
ومثله ما نسبوه إلى دواد أنه قال: " هأنذا بالإثم صورت، وبالخطيئة حبلت بي أمي " ( المزمور 51/5 ). (1)
وقد تحدث إرميا عن احتجاج بني إسرائيل على هذا الظلم ( انظر إرميا 16/10 - 13).
وقد ناقش النبي حزقيال - كما جاء في سفره - بني إسرائيل في مسألة وراثة الذنب " أنتم تقولون: لماذا لا يحمل الابن من إثم الأب ؟!
ها كل النفوس هي لي ... النفس التي تخطئ تموت، الابن لا يحمل من إثم الأب، والأب لا يحمل من إثم الابن، بر البار عليه يكون، وشر الشرير عليه يكون ... " ( حزقيال 18/4 - 32 ).
فقد أقرت هذه النصوص التوراتية عقيدة وراثة الذنب والتضامن في الخطيئة، غير أن أحداً منها لم يكن يتحدث عن الخطيئة الأصلية لآدم، والتي يتعلق النصارى بها، لكن أصل الفكرة وارد في الفكر اليهودي الذي نشأ فيه بولس ثم نقله للنصرانية وسطره في رسائله.
للحديث بقية إن شاء الله وقدر.
__________
(1) يعتبر بعض المعلمين المتأخرين من اليهود هذا النص دليلاً على أن داود - وحاشاه - كان ابن زنا، كما نقلت ذلك دائرة المعارف الكتابية، ولكن غيرهم رأى أن خطيئته أنه يسري فيه دم غير يهودي من جهة جداته كراعوث المؤابية.

الأربعاء، 23 مارس، 2016

مصادر عقيدة الفداء والخلاص2

مصادر عقيدة الفداء والخلاص
الخلاص والفداء في الأسفار الكتابية
كما ينبغي حمل النصوص المتحدثة عن المسيح المخلص على المعاني التي أطلقها الكتاب، لا المعاني التي يقررها بولس والكنيسة في مجامعها، فقد تحدث الكتاب المقدس عن عدد من الفادين والمخلصين، وليس في شيء منها المعنى الذي زعمه بولس وأضرابه.

فقد سمت التوراة موسى فادياً، وهو لم يمت كفارة لأحد، "هذا موسى الذي أنكروه قائلين: من أقامك رئيساً وقاضياً، هذا أرسله الله رئيساً وفادياً بيد الملاك الذي ظهر له في العليقة، هذا أخرجهم صانعاً عجائب وآيات في أرض مصر وفي البحر الأحمر، وفي البرية أربعين سنة" (أعمال 7/35)، فالمقصود الخلاص الدنيوي من يد فرعون وجنوده.
وهذا المعنى من معاني الفداء والخلاص معروف في الأسفار التوراتية التي تحدثت عن الفادي من أهوال الدنيا وشدائدها، وهي تذكر نجاة بني إسرائيل من المصائب "أخرجكم الرب بيد شديدة، وفداكم من بيت العبودية من يد فرعون ملك مصر" (التثنية 7/8)، ومثله في (التثنية 13/5).
ومثله في قوله: "اغفر لشعبك إسرائيل الذي فديت يا رب، ولا تجعل دم بري في وسط شعبك إسرائيل، فيغفر لهم " (التثنية 21/8-9).
وكذا في سفر المزامير سمى الربَ فادياً "الرب فادي نفوس عبيده، وكل من اتكل عليه لا يعاقب" (المزامير 34/22).
وفي نص آخر يؤكد إشعيا هذا المعنى للفداء والخلاص، فيقول: " هكذا قال الرب فادي إسرائيل: قدوسُه للمهان النفس، لمكروه الأمة، لعبد المتسلطين" (إشعيا 49/7)، فأطلق على الله لقب الفادي والمخلص، فالفداء أو الخلاص له معان أوسع من الذبيحة والمعاوضة التي يصر عليها بولس.
ومن هذا النوع من الخلاص ما قام به المخلص أهود "وصرخ بنو إسرائيل إلى الرب، فأقام لهم الرب مخلّصاً أهود بن جيرا البنياميني" (القضاة 3/15).
فهذه النصوص جميعاً تتحدث عن فداء وخلاص أرضي، وهذا الخلاص رحمة من الله وفضل، ولا يحتاج لدم يسفحه الفادي.
ومهمة الخلاص والفداء الذي سيقدمه المسيح لا تختلف عن هذا المعنى، فقد حصر زكريا الكاهن مهمة الفداء المسيحي بالفداء والخلاص الأرضي ، فالمسيح القادم سيخلص شعبه من أعدائهم، كما تتابع على البشارة الأنبياء، ومثلهم زكريا فقد " تنبأ قائلاً: مبارك الرب إله إسرائيل، لأنه افتقد وصنع فداء لشعبه، وأقام لنا قرن خلاص في بيت داود فتاه، كما تكلم بفم أنبيائه القديسين الذين هم منذ الدهر، خلاص من أعدائنا ومن أيدي جميع مبغضينا، ليصنع رحمة مع آبائنا ويذكر عهده المقدس، القسم الذي حلف لإبراهيم أبينا، أن يعطينا أننا بلا خوف مُنقَذين من أيدي أعدائنا نعبده، بقداسة وبر قدامه جميع أيام حياتنا" (لوقا 1/67-75).
ثم شرع زكريا بالحديث عن ابنه المعمدان مبيناً دوره في هداية قومه إلى طريق الخلاص، فقال: "وأنت أيها الصبي، نبيَّ العلي تدعى، لأنك تتقدم أمام وجه الرب لتعدّ طرقه، لتعطي شعبه معرفة الخلاص بمغفرة خطاياهم، بأحشاء رحمة إلهنا التي بها افتقدنا المشرق من العلاء، ليضيء على الجالسين في الظلمة وظلال الموت، لكي يهدي أقدامنا في طريق السلام " (لوقا 1/76-79)، فليس المقصود بالفداء والخلاص ما يذكره النصارى عن الخلاص من الدينونة بدم المسيح ، بل الفداء والتطهير 

 والخلاص من مكر الأعداء وتسلطهم، ويكون بالتوبة والعمل الصالح.

وعلى هذا النحو سمى التلميذان المسيحَ فادياً، فقالا: " كيف أسلمه رؤساء الكهنة وحكامنا لقضاء الموت وصلبوه. ونحن كنا نرجو أنه هو المزمع أن يفدي إسرائيل " ( لوقا 24/20-21)، أي كنا نرجو أن يكون خلاص بني إسرائيل من أعدائهم على يديه، لكنهم صلبوه وقتلوه.
ومن هذا الباب قول لوقا: " لأن ابن الإنسان قد جاء، لكي يطلب، ويخلص ما قد هلك " (لوقا 19/10) فقد أورد هذا القول في سياق توبة زكا رئيس العشارين في أريحا وتعهده بدفع نصف أمواله للمساكين وبرد المظالم إلى أهلها، فخلاص زكا الذي خلصه به المسيح ، إنما هو في دلالته على التوبة والإيمان والعمل الصالح، وهو خلاص جاء به أنبياء الله أجمعين، ولا يشير النص - من قريب أو بعيد - إلى الخلاص الذي يتحدث عنه النصارى بدم المسيح المذبوح.
عقيدة الفداء والوثنيات السابقة
وللحديث بقية إن شاء الله وقدر.

الأحد، 20 مارس، 2016

مصادر عقيدة الفداء والخلاص1

مصادر عقيدة الفداء والخلاص
في مجمع نيقية المنعقد في سنة 325م تقررت عقيدة الفداء والخلاص، حين صدر عنه الأمانة التي يؤمن بها سائر النصارى، وفيها: " الذي من أجلنا نحن البشر، ومن أجل خلاصنا نزل وتجسد وتألم ومات، وقام أيضاً في اليوم الثالث "، فمن أين استقى المجتمعون هذه العقيدة المهمة من عقائد النصرانية؟
دور بولس في نشأة فكرة الفداء في النصرانية
لعلنا لا نجاوز الحقيقة إذا قلنا بأن بولس هو الأب الحقيقي لقصة الفداء والخلاص في النصرانية، حيث تظهر بجلاء ووضوح في كلماته كما قد بينا بعضه من قبل، وأوضحها قوله: " ولكن الله بين محبته لنا، لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا، فبالأولى كثيراً، ونحن متبررون الآن بدمه، نخلص به من الغضب، لأنه - وإن كنا ونحن أعداء - قد صولحنا مع الله بموت ابنه .. من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم، وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع ... لكن قد ملك الموت من آدم إلى موسى، وذلك على الذين لم يخطئوا على شبه تعدي آدم، الذي هو مثال الآتي .. لأنه إن كان بخطية واحد مات الكثيرون، فبالأولى كثيراً نعمة الله، والعطية بالنعمة التي بالإنسان الواحد يسوع المسيح قد ازدادت للكثيرين ... " ( رومية 5/8 - 15 ).
وقد صرح بولس بأهمية فكرة الفداء عنده إذ قال: " لأني لم أعزم أن أعرف شيئاً بينكم إلا يسوع المسيح وإياه مصلوباً " ( كورنثوس (1) 2/2 ).
ويقول في ذلك الأب بولس إلياس الخوري: " مما لا ريب فيه أن الفكرة الأساسية التي ملكت على بولس مشاعره، فعبر عنها في رسائله بأساليب مختلفة هي فكرة رفق الله بالبشر، وهذا الرفق بهم هو ما حمله على إقالتهم من عثارهم، فأرسل إليهم ابنه الوحيد، ليفتديهم على الصليب ... وهذه الفكرة عينها هي التي هيمنت على إنجيل لوقا ".
ويقول ارنست دي بوش في كتابه " الإسلام: أي النصرانية الحقة ": إن جميع ما يختص بمسائل الصلب والفداء هو من مبتكرات ومخترعات بولس ومن شابهه، من الذين لم يروا المسيح، لا من أصول النصرانية الأصلية "
ففكرة الفداء والخلاص بدعة بولسية لم يقلها المسيح، ولم يعرفها الحواريون، فنصوص الأناجيل التي تحدثت عن الفداء نصوص لا يفهم منها خالي الذهن تلك العقيدة التي فهمها النصارى.
وعقيدة بهذه الأهمية ما كان المسيح ليضِنّ على البشر ببيانها وتوضيحها، إذ يزعمون أن مصير البشرية يتعلق بالإيمان بها، فقد تعلق بها هلاك البشر ونجاتهم.
ويحاول النصارى التأكيد على ورود هذا المعتقد على لسان المسيح وتلاميذه، ويتعلقون ببعض نصوص الإنجيليين، ومن هذه النصوص: قول متى: " فستلد ابناً، وتدعو اسمه يسوع، لأنه يخلص شعبه من خطاياهم" ( متى 1/21 )، ومثله: " إنه ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلص هو المسيح الرب " ( لوقا 2/11)، ومثله " لأن عيني قد أبصرتا خلاصك الذي أعددته لجميع الشعوب " (لوقا 2/30 )، و " كما أن ابن الإنسان لم يأت ليُخدم، بل ليَخدم، وليبذل نفسه فدية عن كثيرين" (متى 20/28 )، و"هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا " ( متى 26/28 )، و" لأن ابن الإنسان قد جاء لكي يطلب ويخلص ما قد هلك " ( لوقا 19/10).
ولعل أوضح نصوص الأناجيل ما كتبه يوحنا: " لأنه هكذا أحب الله العالم، حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية، لأنه لم يرسل ابنه إلى العالم ليدين العالم، بل ليخلص به العالم " ( يوحنا 3/16 - 17 ).
وأول ملاحظة نذكرها أن أغلب هذه النصوص هي من قول التلاميذ، ولم ينسبوها إلى المسيح.
ثم هذه النصوص جميعاً قد كتبت بعد أن دوّن بولس رسائله، فأول الإنجيليين تأليفاً هو مرقس، وقد دوّن إنجيله بعد وفاة بولس سنة 67م.
ولا ريب أن في هذه النصوص - رغم عدم قطعية دلالتها على عقيدة النصارى - صدىً لما كان قد خطه بولس في رسائله.
وهذه النصوص خلت من الحديث عن الخطيئة الأولى الموروثة وخطايا العالم اللاحقة والماضية، وأين فيها الحديث عن الحرية المسلوبة، والإرادة ... وعليه فإن خالي الذهن لا يمكن أن يتوصل إلى معتقد النصارى من خلال هذه النصوص.
وقد مال إلى تبسيط معاني تلك النصوص - التي يحتج بها النصارى على الفداء والكفارة - منكرو معتقد الكفارة والفداء من النصارى أنفسهم - كما ذكرت دائرة المعارف البريطانية -، ومنهم الفرقة السوزينية، والمؤرخ كوائليس تيسي، وايبي لارد. (1)
ولئن كانت الفكرة تائهة عند الإنجيلين فهي كذلك عند بقية تلاميذ المسيح وحوارييه الذين لا تجد لديهم بقصة الفداء خبراً، فلم ترد عنهم نصوص تبيين علمهم بهذه المسألة، وهذا لا ريب دال على كونها من صنع بولس وتأليفه، وأن المسيح لم يخبر بها، ولم يعلمها أصلاً.
وفي ذلك يقول شارل جنيبر: " إن موت عيسى في نظر الإثني عشر ليس بالتضحية التكفيرية ".
والحواريون لم يعلموا أصلاً بأن المسيح سيصلب، فضلاً عن أن يكونوا قد فهموا أنه سيصلب فداء لخطايا الناس، وكما قال مرقس: " كان يعلم تلاميذه، ويقول لهم: إن ابن الإنسان يسلم إلى أيدي الناس فيقتلونه، وبعد أن يقتل يقوم في اليوم الثالث، وأما هم فلم يفهموا القول، وخافوا أن يسألوه " ( مرقس 9/30 - 32 ).
ويدل على جهل تلاميذ المسيح بمسألة الفداء ما ذكره لوقا حين قال عن حال التلميذين المنطلقين لعمواس " فقال لهما: ما هذا الكلام الذي تتطارحان به وأنتما ماشيان عابسين ... كيف أسلمه رؤساء الكهنة وحكامنا لقضاء الموت وصلبوه، ونحن كنا نرجو أنه هو المزمع أن يفدي إسرائيل، ولكن مع هذا كله اليوم له ثلاثة أيام منذ حدث ذلك " ( لوقا 24/17-21 ). لقد جهل التلميذان موضوع الخلاص بموت المسيح، فهما يبحثان عن خلاص آخر، وهو الخلاص الذي يأتي به النبي الذي تنتظره بنو إسرائيل.
وأيضاً جهلت الجموع التي شهدت الصلب أن ذلك الصلب يكفر الخطيئة ويرفعها، ولنتأمل ما ذكره لوقا في وصف الجموع وحزنهم على المسيح الذي ظنوه مصلوباً " وكل الجموع الذين كانوا مجتمعين لهذا المنظر لما أبصروا ما كان، رجعوا وهم يقرعون صدورهم، وكان جميع معارفه ونساء كن قد تبعنه من الجليل واقفين من بعيد ينظرن ذلك " ( لوقا 23/48 - 49 ).
ولو كان ما يقوله النصارى في الفداء صحيحاً لكان ينبغي أن يحتفلوا بموت المسيح لخلاص البشرية وخلاصهم من الذنب الذي ناءت بحمله البشرية قروناً مديدة.
وللحديث بقية إن شاء الله وقدر.

الخميس، 17 مارس، 2016

نقض الناموس4

نقض الناموس
والعجب أن بولس نفسه الذي أعلن نقض الناموس وعدم فائدة الأعمال لتحقيق التبرير، وأن الخلاص إنما يكون بالإيمان، هو ذاته أكد على أهمية العمل الصالح في مناسبات أخرى، ويعتبره سبب الخلاص وباب الحياة الأبدية، منها قوله: " إن الذي يزرعه الإنسان، إياه يحصد أيضاً ... فلا تفشل في عمل الخير لأننا سنحصده في وقته" ( غلاطية 6/7).
ويقول: " بل الذين يعملون بالناموس هم يبررون " ( رومية 2/13 ).
وفي رسالته إلى تيموثاوس يقول بولس: " أوصي الأغنياء ... وأن يصنعوا صلاحاً، وأن يكونوا أغنياء في أعمال صالحة، وأن يكونوا أسخياء في العطاء، كرماء في 
 التوزيع، مدخرين لأنفسهم أساساً حسناً للمستقبل، لكي يمسكوا بالحياة الأبدية " ( تيموثاوس (1) 6/17 - 19 ).
ويقول: "كل واحد سيأخذ أجرته حسب تعبه" (كورنثوس (1) 3/8).
وأخيراً، فإن بولس بتنقصه السالف للناموس وإبطاله له مستحق للوعيد الشديد الذي جعله المسيح لمثل هذا الفعل وذلك في قوله: " لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء، ما جئت لأنقض، بل لأكمل، فإني الحق أقول لكم: إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس، حتى يكون الكل، فمن نقض إحدى هذه الوصايا الصغرى، وعلم الناس هكذا يدعى: أصغر في ملكوت السماوات " ( متى 5/17 - 19 )، فلئن كان ناقض إحدى الوصايا الصغرى يدعى أصغر في ملكوت الله، فماذا عساه يدعى من نقض كل الناموس؟!
الدينونة دليل بطلان عقيدة الخلاص
وتتحدث النصوص المقدسة عند النصارى عن الدينونة والجزاء الأخروي الذي يصير إليه العصاة والمذنبون من النصارى وغيرهم، وهو مبطل لمعتقدات كافة الفرق النصرانية في الفداء، وهو مبطل لما زعموه من نسخ الشريعة بصلب المسيح.

فالنصارى يتحدثون في أناجيلهم عن الدينونة التي يعطيها الله يومئذ للمسيح، ففي يوحنا " وقد أعطاه السلطان لأن يدين، لأنه ابن إنسان " ( يوحنا 5/27 ).
كما تتحدث النصوص - المقدسة عندهم - أيضاً عن وعيد في النار لبعض البشر، فدل ذلك على أنهم غير ناجين خلافاً لقول الكثيرين من البروتستانت " متى جاء ابن الإنسان في مجده وجميع الملائكة والقديسين معه، فحينئذ يجلس على كرسي مجده ... ثم يقول أيضاً للذين عن اليسار: اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته .. " ( متى 25/31 - 42 ).
ومثله قوله: " يرسل ابن الإنسان ملائكته، فيجمعون في ملكوته جميع المعاثر، وفاعلي الإثم، ويطرحونهم في أتون النار " ( متى 13/41-42 ).
ومثله أيضاً قول متى: " وأما من قال على الروح القدس فلن يغفر له، لا في هذا العالم ولا في الآتي " ( متى 12/32 ).
ومثله تهديد يوحنا المعمدان لبني إسرائيل من الاتكال على النسب من غير توبة وعمل صالح، إذ يقول: " يا أولاد الأفاعي من أراكم أن تهربوا من الغضب الآتي، فاصنعوا أثماراً تليق بالتوبة، ولا تفتكروا أن تقولوا في أنفسكم: لنا إبراهيم أباً " ( متى 3/7 - 9 ).
ويقول المسيح لهم: " أيها الحيات أولاد الأفاعي كيف تهربون من دينونة جهنم " ( متى 23/33 )، فلم يحدثهم عن الفداء البروتستنتي الذي سيخلصون به من الدينونة.
بل توعدهم بجهنم فقال: " خير لك أن يهلك أحد أعضائك، ولا يلقى جسدك كله في جهنم " (متى 5/29).
ومثله ما جاء في سفر حزقيال من وعيد الله للذين لا يتوبون من بني إسرائيل أو غيرهم فقال: "توبوا، وارجعوا عن أصنامكم وعن كل رجاساتكم ... لأن كل إنسان من بيت إسرائيل أو من الغرباء ... إذا ارتد عني ... أجعل وجهي ضد ذلك الإنسان، وأجعله آية ومثلاً واستأصله " (حزقيال 14/6 - 8 ).
وقد خاطب المسيح تلاميذه: " فإني أقول لكم: إنكم إن لم يزد بِركم على الكتبة والفريسيين لن تدخلوا ملكوت السموات .. وأما أنا فأقول لكم: إن كل من يغضب على أخيه باطلاً، يكون مستوجب الحكم، ومن قال لأخيه: رقا، يكون مستوجب المجمع، ومن قال: يا أحمق، يكون مستوجب نار جهنم" (متى 5/20-23).
وقال بولس متوعداً الممتلئين من كل إثم وشرّ، المشحونين حسداً وقتلاً : "الذين إذ عرفوا حكم الله، إن الذين يعملون مثل هذه يستوجبون الموت" (رومية 1/32)، إن القتل أو الرجم هو عقوبتهم التي استوجبوها بسبب ذنوبهم وشرورهم، ولن يرفعها عنهم صلب المسيح عليه السلام.
ويضيف بولس مبشراً هؤلاء العصاة بدينونة الله العادلة التي تتنظرهم جزاء فجورهم: "ونحن نعلم أن دينونة الله هي حسب الحق على الذين يفعلون مثل هذه، أفتظن هذا أيها الإنسان الذي تدين الذين يفعلون مثل هذه، وأنت تفعلها، أنك تنجو من دينونة الله" (رومية 2/2-3).
فلو كان الناس كلهم ينجون بالفداء كما قال البرتستانت، لما كان لهذه النصوص معنى.
ثم إن كان الفداء عاماً لكل البشر ولكل الخطايا، فإن هذا الفداء يشمل الإباحيين الذين يرتكبون الموبقات ويملؤون الأرض بالفساد، وتكون عقيدة الفداء والخلاص سُلماً للرذيلة ودعوة للتحلل والفساد باسم الدين.

ثم القول بفداء الجميع يجعل ضمن الناجين أعداء الأنبياء كفرعون وقارون واليهود الذي تآمروا على المسيح، كما يشمل يهوذا التلميذ الخائن الذي قال عنه المسيح : "كان خيراً لذلك الرجل لو لم يولد" (مرقس 14/12)، فلماذا تركه المسيح ينتحر؟ ولماذا لم يخبره بأن خلاصه قريب جداً، وأن لا داعي للانتحار.
وللحديث بقية إن شاء الله وقدر.

الاثنين، 7 مارس، 2016

نقض الناموس3

نقض الناموس
والمسيح عليه السلام لم يعلم شيئاً عن رفع الشريعة ونسخها بدمه كما زعم بولس، لذا نراه وعبر أقواله وأفعاله يؤكد على العمل بالناموس في مستقبل الأيام، فها هو يحذر تلاميذه مما سيصيبهم حين ظهور رجسة الخراب التي أخبر عنها دانيال، ويشفق عليهم أن تكون في سبت أو شتاء، حيث يصعب الهرب في الشتاء، ويمتنع ديانة في السبت، الذي كان يحترمه المسيح، كما أمر بذلك ناموس موسى، يقول: "فمتى نظرتم رجسة الخراب التي قال عنها دانيال النبي قائمة في المكان المقدس، ليفهم القارئ، فحينئذ ليهرب الذين في اليهودية إلى الجبال ... وصلّوا لكي لا يكون هربكم في شتاء ولا في سبت، لأنه يكون حينئذ ضيق عظيم لم يكن مثله منذ ابتداء العالم إلى الآن" (متى 24/ 15- 21).
وكذا النسوة اللاتي تبعن جنازة المصلوب لم يعرفن شيئاً عن رفع الشريعة ونسخها بموت المسيح، فقد استرحن في السبت معظمات للوصية التوراتية "فرجعن وأعددن حنوطاً وأطياباً، وفي السبت استرحن حسب الوصية" (لوقا 23/56)، فما بال النصارى اليوم يعملون بالسبت ولا يحترمونه، كما يصنع اليهود!
لقد أدرك المسيح والنسوة أن العمل يوم السبت خرق للشريعة الأبدية التي أمر الله بها في التوراة، فقد جاء فيها " أما اليوم السابع ففيه سبت عطلة مقدّس للرب، كل من صنع عملاً في يوم السبت يقتل قتلاً، فيحفظ بنو إسرائيل السبت، ليصنعوا السبت في أجيالهم عهداً أبدياً، هو بيني وبين بني إسرائيل علامة إلى الأبد" (الخروج 31/15-17).وليس عهد السبت العهد الأبدي الوحيد الذي هجره النصارى مما ألزمتهم به شريعة الله، بل الختان أيضاً، فقد جاء في سفر التكوين "يختن ختاناً وليد بيتك والمبتاع بفضتك، فيكون عهدي في لحمكم عهداً أبدياً، وأما الذكر الأغلف الذي لا يختن في لحم غرلته، فتقطع تلك النفس من شعبها، إنه قد نكث عهدي" (التكوين 17/13-14)، ويشاركهم في هذه الشريعة النازل في أرضهم، المشارك في فصحهم من الأمم. (انظر الخروج 12/48) إن الذين لا يختتنون من نصارى اليوم قد نكثوا عهد الله الأبدي، وتبطلوا عن شرعه وهديه.
أما يخشى هؤلاء المتبطلون عن ناموسه أن تصيبهم لعنة من الله ، فإنه " ملعون من لا يقيم كلمات هذا الناموس، ليعمل بها " (التثنية 27/26).
وهنا وقفة لابد منها، إذ النصارى يزعمون أن شرائع الناموس مرفوعة عنهم، وأنها خاصة ببني إسرائيل، فهذا ما يقوله بولس، إنهم بذلك يخالفون المسيح مرة أخرى، حيث يقول في نص التثليث الشهير: " فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمدوهم باسم الآب والابن وروح القدس، وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به" (متى 28/ 18-20)، فلئن كان المسيح أمرهم بتبشير الأمم وتنصيرهم؛ فإنه أمرهم أن ينقلوا إليهم جميع الوصايا التي أوصى بها تلاميذه، جميعها من غير أن يستثني منها وصية واحدة، فبماذا أوصى تلاميذه؟
لقد أوصاهم بحفظ الناموس والشريعة "خاطب يسوع الجموع وتلاميذه قائلاً: على كرسي موسى جلس الكتبة والفريسيون، فكل ما قالوا لكم أن تحفظوه؛ فاحفظوه وافعلوه" (متى 23/1-3)، لكنهم يثبتون مرة أخرى أنهم بولسيون وليسوا مسيحيين.
ويلاحظ أدولف هرنك أن رسائل التلاميذ خلت من معتقد الخلاص بالفداء، بل إنها جعلت الخلاص بالأعمال كما جاء في رسالة يعقوب " ما المنفعة يا إخوتي إن قال أحد: إنّ له إيماناً، ولكن ليس له أعمال، هل يقدر الإيمان أن يخلصه؟ ... الإيمان أيضاً إن لم يكن له أعمال ميت في ذاته .. الإيمان بدون أعمال ميت " ( يعقوب 2/14 - 20 ). (1)
ويقول: " كونوا عاملين بالكلمة، لا سامعين فقط، خادعين نفوسكم " ( يعقوب 1/22 )، ويقول: " الديانة الطاهرة النقية عند الله الآب هي هذه: افتقاد اليتامى والأرامل في ضيقتهم، وحفظ الإنسان نفسه بلا دنس من العالم " ( يعقوب 1/27 ).
ويقول بطرس كبير الحواريين: " بالحق أنا أجد أن الله لا يقبل الوجوه. بل في كل أمة، الذي يتقيه ويصنع البر مقبول عنده" (أعمال 10/34).
وأما يوحنا فيقول: "كل من يفعل الخطية يفعل التعدي أيضاً، والخطية هي التعدي، وتعلمون أن ذاك أُظهر لكي يرفع خطايانا، وليس فيه خطية، كل من يثبت فيه لا يخطئ، كل من يخطئ لم يبصره ولا عرفه، أيها الأولاد لا يضلّكم أحد، من يفعل البر فهو بار، كما أن ذاك بار، من يفعل الخطية فهو من إبليس، لأن إبليس من البدء يخطئ، لأجل هذا أُظهر ابن الله، لكي ينقض أعمال إبليس، كل من هو مولود من الله لا يفعل خطية، لأن زرعه يثبت فيه، ولا يستطيع أن يخطئ لأنه مولود من الله، بهذا أولاد الله ظاهرون، وأولاد إبليس، كل من لا يفعل البر فليس من الله ..." (يوحنا (1) 3/4-10).
ويقول: "لنا ثقة من نحو الله، ومهما سألنا؛ ننال منه، لأننا نحفظ وصاياه ونعمل الأعمال المرضية أمامه، وهذه هي وصيته أن نؤمن باسم ابنه يسوع المسيح، ونحب بعضنا بعضا، كما أعطانا وصية، ومن يحفظ وصاياه يثبت فيه، وهو فيه" (يوحنا (1) 3/21-42) ومثل هذا كثير في أقوال المسيح والحواريين.
وللحديث بقية إن شاء الله وقدر.

المزامير تبشر بصفات نبي آخر الزمان1

المزامير تبشر بصفات نبي آخر الزمان: وها هي المزامير تبشر بالنبي الخاتم، ويصفه أحد مزاميرها، فيقول مخاطباً إياه باسم الملك: "فاض قلبي ...