الثلاثاء، 1 أغسطس، 2017

ما هـو الإنجيل ؟؟

ما هـو الإنجيل ؟؟

يحمل اسم إنجيل كل من الكتب الأربعة الأولى فقط من الأسفار التي وضعت لها الكنيسة عنوان (العهد الجديد) الذي يحتوي على سبع وعشرين رسالة كتبت من قبل عدة كتبة في مباحث مختلفة ، وكما انه لا يدعي أحد أن بعض هذه الكتب الأربعة المذكورة هو الانجيل الشريف (1) فانهم لا يبينون من هم مؤلفوها ، وان النسخ الموجودة باللسان اليوناني تحمل اسم (إنجيل) بصورة العنوان فقط . أما نسختها المكتوبة باللسان السرياني - وهي المعتبرة جداً لدى كل عالم النصرانية - المسماة (بشيطتا) (البسيطة) فقد وضع فيها اسم (كاروزوتا) أي (موعظة) محل كلمة أنجيل . وأما الثلاثة والعشرون الباقية من رسائل الكتاب المذكور فقد كتبت بصورة مراسلات خصوصية وبعضها بشكل مكتوبات عامة . وإحدى تلك الرسائل تبحث عن (أعمال الرسل) ورسالة أخرى قد كتبت على طرز رؤيا عجيبة بعنوان (وحي (2) يوحنا) ولا وجود لها في أكثر المجموعات القديمة .
فالمواعظ الأربع ترجمت إلى اللغة التركية بالترتيب على الوجه الآتي :
(الإنجيل الشريف) على ما كتبه متى .
(الإنجيل الشريف) على ما كتبه مرقس .
(الإنجيل الشريف) على ما كتبه لوقا .
(الإنجيل الشريف) على ما كتبه يوحنا .
ويلقب كل من المؤلفين الأربعة بعنوان (مبشر) .

- 2 -
الكنيسة العامة بقيت 325 سنة بغير ما كتاب
ان هذه السبعة والعشرين صفراً أو رسالة الموضوعة من قبل ثمانية كتاب لم تدخل في عداد (الكتب المقدسة) باعتبار مجموع هيئتها بصورة رسمية إلا في القرن الرابع بإقرار مجمع نيقية العام وحكمه . لذلك لم تكن إحدى هذه الرسائل مقبولة ومصدقة لدى الكنيسة وجميع العالم العيسوي قبل التاريخ المذكور . ثم جاء من الجماعات العيسوية في الأقسام المختلفة من كرة الأرض ما يزيد على ألف مبعوث روحاني يشكلون المجمع العام بمئات من الأناجيل والرسائل المختلفة كل منهم يحمل نسخة إنجيل أو رسالة على الوجه الذي هو لديها إلى نيقية لأجل التدقيق. وهناك تم انتخاب الأربعة الأناجيل مما يربو عدده على الأربعين أو الخمسين من الأناجيل المختلفة والمتضادة ، مع إحدى وعشرين رسالة من رسائل لا تعد ولا تحصى ، فصودق عليها. وهكذا ثبت العهد الجديد من قبل هيئة عددها 318 شخصاً من القائلين بألوهية المسيح وهم زهاء ثلث عدد أعضاء المجمع المذكور . وهكذا كان العالم المسيحي محروماً من العهد الجديد مدة 325 سنة أي انه كان بغير ما كتاب .
وللحديث بقية.

الاثنين، 17 أبريل، 2017

المزامير تبشر بصفات نبي آخر الزمان1

المزامير تبشر بصفات نبي آخر الزمان:
وها هي المزامير تبشر بالنبي الخاتم، ويصفه أحد مزاميرها، فيقول مخاطباً إياه باسم الملك: "فاض قلبي بكلام صالح، متكلم أنا بإنشائي للملك، لساني قلم كاتب ماهر: أنت أبرع جمالاً من بني البشر، انسكبت النعمة على شفتيك، لذلك باركك الله إلى الأبد.
تقلد سيفك على فخذك أيها الجبار جلالك وبهاءك، وبجلالك اقتحم. اركب من أجل الحق والدعة والبر، فتريك يمينك مخاوف، نُبُلُك المسنونة في قلب أعداء الملك، شعوبٌ تحتك يسقطون. كرسيك يا الله إلى دهر الدهور، قضيب استقامة قضيب ملكك. أحببت البر وأبغضت الإثم.
من أجل ذلك مسحك إلهك بدهن الابتهاج أكثر من رفقائك ... بنات ملوك بين حظياتك، جعلت الملكة عن يمينك بذهب أوفير.
اسمعي يا بنت وانظري، وأميلي أذنك، انسي شعبك وبيت أبيك، فيشتهي الملك حسنك، لأنه هو سيدك فاسجدي له ... عوضاً عن آبائك يكون بنوك، تقيمهم رؤساء في كل الأرض، أذكر اسمك في كل دور فدور. من أجل ذلك تحمدك الشعوب إلى الدهر والأبد " (المزمور 45/1 - 17).
ويسلم النصارى بأن النص نبوءة بالنبي الآتي، ويزعمون أنه عيسى عليه السلام، فيما يرى المسلمون أن الصفات التي رمزت في النص إنما تعود إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وتمنع أن يكون المعني به عيسى أو غيره من الأنبياء الكرام، ففي النص تسع أوصاف لهذا النبي، وهي:
1) كونه صاحب حسن لا يعدل في البشر " بهي في الحسن أفضل من بني البشر "، ولا يجوز للنصارى القول بأنه المسيح، وهم الذين يقولون: تحققت في المسيح نبوة إشعيا، وفيها أن المتنبئ به "لا صورة له ولا جمال فننظر إليه، ولا منظر فنشتهيه " (إشعيا 52/2)، وهذا المعنى الذي لا نوافقهم عليه (1) أكده علماؤهم، فقال كليمندوس الإسكندراني: " إن جماله كان في روحه وفي أعماله، وأما منظره فكان حقيراً " وقال ترتليان: " أما شكله فكان عديم الحسن الجسماني، وبالحري كان بعيداً عن أي مجد جسدي " ومثله قال مارتير وأوريجانوس وغيرهما. 
فمن كان هذا قوله بالمسيح لا يحق له أن يقول بأنه أيضاً:" أبرع جمالاً من بني البشر ".
وقد جاءت الآثار تتحدث عن حسن نبينا وفيض جماله بعد أن كساه الله بلباس النبوة، فلم ير أجمل منه. ففي الأثر الصحيح يقول البراء بن مالك: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس وجهاً، وأحسنه خَلْقاً، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير). 
---------------
(1) لا يبعث الله نبياً إلا غاية في الحسن، فذلك أدعى لتصديقهم وعدم عيبهم بخلقهم، وقد وصف رسول الله عيسى عليه السلام خصوصاً بأنه كان غاية في الحسن، فقد رآه في رؤيا عند الكعبة (( فرأيت رجلاً آدم كأحسن ما أنت راء من آدم الرجال، له لمّة كأحسن ما أنت راء من اللمم، قد رجلها، فهي تقطر ماءً ... فسألت: من هذا؟ فقيل: هذا هو المسيح بن مريم )). رواه مسلم ح (169).

الخميس، 30 مارس، 2017

نبوءة موسى عن البركة الموعودة في أرض فاران 3

نبوءة موسى عن البركة الموعودة في أرض فاران :
4) ونقول: لم خص جبل فاران بالذكر دون سائر الجبال لو كان الأمر مجرد إشارة إلى انتشار مجد الله كما زعم بعض كتاب اليهود، فإن مجد الله لم يتوقف عند حدود فارن أو جبل سعير...." (الرؤيا 12/7).
فمتى شهدت فاران مثل هذه الألوف من الأطهار إلا عند ظهور محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه؟
6) وما جاء في سفر حبقوق يؤيد قول المسلمين حيث يقول: " الله جاء من تيمان، والقدوس من جبل فاران. سلاه. جلاله غطى السماوات، والأرض امتلأت من تسبيحه، وكان لمعان كالنور. له من يده شعاع، وهناك استتار قدرته، قدامه ذهب الوبأ، وعند رجليه خرجت الحمى، وقف وقاس الأرض، نظر فرجف الأمم ... " (حبقوق 3/3 - 6).
فالنص شاهد على أنه ثمة نبوة قاهرة تلمع كالنور، ويملأ الآفاق دوي أذان هذا النبي بالتسبيح.
وتيمان كما يذكر محررو الكتاب المقدس هي كلمة عبرية معناها: " الجنوب "، لذا يقول النص الكاثوليكي للتوراة: "الله يأتي من الجنوب، والقدوس من جبل فاران"، ولما كان المخاطبون في فلسطين فإن الوحي المبشر به يأتي من جهة الجنوب أي من جزيرة العرب، فالقدوس سيبعث في جبل فاران.

ومن هذا كله فالقدوس المتلألئ في جبال فاران هو نبي الإسلام، فكل الصفات المذكورة لنبي فاران متحققة فيه، ولا تتحقق في سواه من الأنبياء الكرام.

الاثنين، 20 مارس، 2017

نبوءة موسى عن البركة الموعودة في أرض فاران 2

نبوءة موسى عن البركة الموعودة في أرض فاران :
( 1) أن جبل فاران هو جبل مكة، حيث سكن إسماعيل، تقول التوراة عن إسماعيل: " كان الله مع الغلام فكبر، وسكن في البرية، وكان ينمو رامي قوس، وسكن في برية فاران، وأخذت له أمه زوجة من أرض مصر " (التكوين 21/20-21).
وقد انتشر أبناؤه في هذه المنطقة، فتقول التوراة: " هؤلاء هم بنو إسماعيل ... وسكنوا من حويلة إلى شور " (التكوين 25/16 - 18)، وحويلة كما جاء في قاموس الكتاب المقدس منطقة في شمال أرض اليمن، بينما شور في جنوب فلسطين. وعليه فإن إسماعيل وأبناءه سكنوا هذه البلاد الممتدة جنوب الحجاز وشماله، وهو يشمل أرض فاران التي سكنها إسماعيل.

 كما وقد قامت الأدلة التاريخية على أن فاران هي الحجاز، حيث بنى إسماعيل وأبوه الكعبة، وحيث تفجر زمزم تحت قدميه، وهو ما اعترف به عدد من المؤرخين كما نقل عنهم المؤرخ الهندي مولانا عبد الحق فدرياتي في كتابه " محمد في الأسفار الدينية العالمية" ومن هؤلاء المؤرخين المؤرخ جيروم واللاهوتي يوسبيوس فقالا بأن فاران هي مكة.  وجاء في قاموس Strong's Hebrew Bible Dictionary ان فاران في صحراء العرب، حيث يقول: " Paran, a desert of Arabia".
2) أن وجود منطقة اسمها فاران في جنوب سيناء لا يمنع من وجود فاران أخرى، هي تلك التي سكنها إسماعيل، فقد ورد مثلاً إطلاق اسم سعير على المنطقة التي تقع في أرض أدوم والتي هي حالياً في الأردن، وتكرر ذلك الإطلاق في مواضع عديدة في الكتاب، ولم تمنع كثرتها أن يطلق ذات الاسم على جبل في وسط فلسطين غربي القدس في أرض سبط يهوذا. (انظر يشوع 15/10).
ولنا أن نسأل أولئك الذين يصرون على أن فاران هي فاران سيناء: من هو القدوس الذي تلألأ من ذلكم الجبل الذي لا يرتبط بأدنى علاقة بأي من أحداث الإنسانية المهمة، فمن الذي تلألأ عليه؟

 3) لا يقبل قول القائل بأن النص يحكي عن أمر ماضٍ، إذ التعبير عن الأمور المستقبلة بصيغة الماضي معهود في لغة الكتاب المقدس. يقول اسبينوزا: " أقدم الكتاب استعملوا الزمن المستقبل للدلالة على الحاضر، وعلى الماضي بلا تمييز كما استعملوا الماضي للدلالة على المستقبل... فنتج عن ذلك كثير من المتشابهات".
4) ونقول: لم خص جبل فاران بالذكر دون سائر الجبال لو كان الأمر مجرد إشارة إلى انتشار مجد الله كما زعم بعض كتاب اليهود، فإن مجد الله لم يتوقف عند حدود فارن أو جبل سعير.

الأربعاء، 15 مارس، 2017

نبوءة موسى عن البركة الموعودة في أرض فاران 1

نبوءة موسى عن البركة الموعودة في أرض فاران :
وقبيل وفاة موسى عليه السلام ساق لبني إسرائيل خبراً مباركاً ، فقد جاء في سفر التثنية: "هذه البركة التي بارك بها موسى رجل الله بني إسرائيل قبل موته، فقال: جاء الرب من سيناء، وأشرق لهم من سعير، وتلألأ من جبل فاران، وأتى من ربوات القدس، وعن يمينه نار شريعة، فأحب الشعب، جميع قديسيه في يدك، وهم جالسون عند قدمك، يتقبلون من أقوالك" (التثنية 33/1-3).
وأكد هذه النبوءة النبي حبقوق، حيث ذكر خبراً أفزعه، لأنه يشير إلى انتقال النبوة بعيداً عن قومه بني إسرائيل، يقول: "يا رب قد سمعت خبرك، فجزعت، يا رب عملك في وسط السنين أحْيِه، في وسط السنين عرّف، في الغضب اذكر الرحمة، الله جاء من تيمان، والقدوس من جبل فاران. سلاه. جلاله غطى السماوات، والأرض امتلأت من تسبيحه، وكان لمعان كالنور. له من يده شعاع، وهناك استتار قدرته، قدامه ذهب الوبأ، وعند رجليه خرجت الحمى، وقف وقاس الأرض، نظر فرجف الأمم .... " (حبقوق 3/3 - 6).
وقبل أن نمضي في تحليل النص نتوقف مع الاختلاف الكبير الذي تعرض له هذا النص في الترجمات المختلفة.
فقد جاء في الترجمة السبعينية: "واستعلن من جبل فاران، ومعه ربوة من أطهار الملائكة عن يمينه، فوهب لهم وأحبهم، ورحم شعبهم، وباركهم وبارك على أظهاره، وهم يدركون آثار رجليك، ويقبلون من كلماتك. أسلم لنا موسى مثله، وأعطاهم ميراثاً لجماعة يعقوب ".
وفي ترجمة الآباء اليسوعيين: "وتجلى من جبل فاران، وأتى من رُبى القدس، وعن يمينه قبس شريعة لهم" .
وفي ترجمة 1622م العربية: " شرف من جبل فاران، وجاء مع ربوات القدس، من يمينه الشريعة "، ومعنى ربوات القدس أي ألوف القديسين الأطهار، كما في ترجمة 1841م " واستعلن من جبل فاران، ومعه ألوف الأطهار، في يمينه سنة من نار ".

واستخدام ربوات بمعنى ألوف أو الجماعات الكثيرة معهود في الكتاب المقدس "ألوف ألوف تخدمه، وربوات ربوات وقوف قدامه" (دانيال 7/10)، ومثله قوله: "كان يقول: ارجع يا رب إلى ربوات ألوف إسرائيل" (العدد 10/36)، فالربوات القادمين من فاران هم الجماعات الكثيرة من القديسين، الآتين مع قدوسهم الذي تلألأ في فاران.
والنص التوراتي يتحدث عن ثلاثة أماكن تخرج منها البركة، أولها: جبل سيناء حيث كلم الله موسى. وثانيها: ساعير، وهو جبل يقع في أرض يهوذا. (انظر يشوع 15/10)، وثالثها: هو جبل فاران.
وتنبئ المواضع التي ورد فيها ذكر " فاران " في الكتاب المقدس أنها تقع في صحراء فلسطين في جنوبها.
لكن تذكر التوراة أيضاً أن إسماعيل قد نشأ في برية فاران. (انظر التكوين 21/21)، ومن المعلوم تاريخياً أنه نشأ في مكة المكرمة في الحجاز.

الخميس، 9 مارس، 2017

موسى عليه السلام يبشر بظهور نبي ورسول مثله 5

موسى عليه السلام يبشر بظهور نبي ورسول مثله : 
ثم أراد تلاميذ المسيح أن تتحقق النبوءة في المسيح، فذات مرة لما رأوا معجزاته " قالوا: إن هذا بالحقيقة النبي الآتي إلى العالم.
وأما يسوع فإذ علم أنهم مزمعون أن يأتوا ويختطفوه ليجعلوه ملكاً، انصرف أيضاً إلى الجبل وحده " (يوحنا 6/14 - 15)، فقد أراد تلاميذ المسيح تنصيبه ملكاً ليحققوا النبوءة الموجودة لديهم عن النبي المنتظر الذي يملك ويحقق النصر لشعبه، فلما علم المسيح عليه السلام أنه ليس النبي الموعود هرب من بين أيديهم.
ويرى النصارى أن ثمة إشكالاً في النص التوراتي (التثنية 18/17-22) يمنع قول المسلمين، فقد جاء في مقدمة سياق النص أن الله لما كلم موسى قال: " يقيم لك الرب إلهك نبياً من وسطك من إخوتك مثلي ... قد أحسنوا في ما تكلموا: أقيم لهم نبياً من وسط إخوتهم مثلك " (التثنية 18/15 - 18)، فقد وصفت النبي بأنه "من وسطك" أي من بني إسرائيل، ولذا ينبغي حمل المقطع الثاني من النص على ما جاء في المقطع الأول، فالنبي " من وسطك " أو كما جاء في بعض التراجم "من بينك" أي أنه إسرائيلي.
لكن التحقيق يرد هذه الزيادة التي يراها المحققون تحريفاً، بدليل أن موسى لم يذكرها، وهو يعيد خبر النبي على مسامع بني إسرائيل، فقال: " قال لي الرب قد أحسنوا فيما تكلموا، أقيم لهم نبياً من وسط إخوتهم مثلك " (التثنية 18/17-18)، ولو كانت من كلام الله لما صح أن يهملها.
كما أن هذه الزيادة لم ترد في اقتباس بطرس واستفانوس للنص كما جاء في أعمال الرسل قال بطرس: "فإن موسى قال للآباء: إن نبياً مثلي سيقيم لكم الرب إلهكم من إخوتكم، له تسمعون في كل ما يكلمكم به" (أعمال 3/22).
وقال استفانوس: "هذا هو موسى الذي قال لبني إسرائيل: نبياً مثلي سيقيم لكم الرب إلهكم من إخوتكم، له تسمعون" (أعمال 7/37)، فلم يذكرا تلك الزيادة، ولو كانت أصلية لذكرت في سائر المواضع.

الجمعة، 3 مارس، 2017

موسى عليه السلام يبشر بظهور نبي ورسول مثله 4

موسى عليه السلام يبشر بظهور نبي ورسول مثله : 
8) يتحدث عن الغيوب ويصدق الواقع كلامه، وهذا النوع من المعجزات يكثر في القرآن والسنة - مما يطول المقام بذكره -، ويكفي هنا أن أورد نبوءة واحدة مما تنبأ به - صلى الله عليه وسلم - ، فكان كما أخبر.
ففي عام 617 م كادت دولة الفرس أن تزيل الإمبرطورية الرومانية من خارطة الدنيا، فقد وصلت جيوش كسرى أبرويز الثاني إلى وادي النيل، ودانت له أجزاء عظيمة من مملكة الرومان، ففي سنوات معدودة تمكن جيش الفرس من السيطرة على بلاد الشام وبعض مصر، واحتلت جيوشهم أنطاكيا شمالاً، مما يؤذن بنهاية وشيكة للإمبرطورية الرومانية، وأراد هرقل أن يهرب من القسطنطينية، لولا أن كبير أساقفة الروم أقنعه بالصمود وطلب الصلح الذليل من الفرس.
ووسط هذه الأحداث، وخلافاً لكل التوقعات أعلن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الروم سينتصرون على الفرس في بضع سنين، أي فيما لا يزيد عن تسع سنين، فقد نزل عليه قوله: { غلبت الروم - في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون - في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذٍ يفرح المؤمنون - بنصر الله } (الروم: 2-5).
وكان كما تنبأ ، ففي عام 623، 624، 625م استطاع هرقل أن يتخلص من لهوه ومجونه، وشن ثلاث حملات ناجحة أخرجت الفرس من بلاد الشام، وفي عام 627م واصل الرومان زحفهم حتى وصلوا إلى ضفاف دجلة داخل حدود الدولة الفارسية، واضطر الفرس لطلب الصلح مع الرومان، وأعادوا لهم الصليب المقدس الذي كان قد وقع بأيديهم، فمن ذا الذي أخبر محمداً - صلى الله عليه وسلم - بهذه النبوءة العظيمة؟ إنه النبي الذي تنبأ عنه موسى عليه السلام.
يقول المؤرخ إدوار جِبن في كتابه "تاريخ سقوط وانحدار الإمبراطورية الرومانية": "في ذلك الوقت، حين تنبأ القرآن بهذه النبوءة، لم تكن أية نبوءة أبعد منها وقوعاً، لأن السنين الاثنتي عشر الأولى من حكومة هرقل كانت تؤذن بانتهاء الإمبرطورية الرومانية".

روى الترمذي عن ابن عباس في قول الله تعالى: { غلبت الروم - في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون - في بضع سنين } قال: كان المشركون يحبون أن يظهر أهل فارس على الروم، لأنهم وإياهم أهل الأوثان، وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس لأنهم أهل الكتاب، فذكروه لأبي بكر، فذكره أبو بكر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: أما إنهم سيغلبون، فذكره أبو بكر لهم، فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلاً، فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا، فجعل أجلاً خمس سنين، فلم يظهروا، فذكروا ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ألا جعلته إلى دون العشر.
قال أبو سعيد: والبضع ما دون العشر.
قال: ثم ظهرت الروم بعد، قال: فذلك قوله تعالى: { غلبت الروم - في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون - في بضع سنين }
وهكذا ظهر لكل ناظر منصف أن النبي الذي تنبأ عنه موسى لم تتحقق أوصافه في المسيح العظيم عليه الصلاة والسلام، وتحققت في أخيه محمد صلى الله عليهما وسلم تسليماً كثيراً.
ومما يؤكد ذلك أنه هذه الصفات مجتمعة لم تتوافر في غيره من الأنبياء، فإن اليهود لا يقولون بمجيء هذا المسيح فيما سبق، بل مازالوا ينتظرونه.
إذ لما بعث يحيى عليه السلام ظنه اليهود النبي الموعود، وأقبلوا عليه يسألونه " النبي أنت؟ فأجابهم: لا " (يوحنا 1/21)، أي لست النبي الذي تنتظره اليهود.

الجمعة، 24 فبراير، 2017

موسى عليه السلام يبشر بظهور نبي ورسول مثله 3

موسى عليه السلام يبشر بظهور نبي ورسول مثله : 
6) أن الذي لا يسمع لكلام هذا النبي فإن الله يعاقبه، " ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي، أنا أطالبه "، وقد فسرها بطرس، فقال: " ويكون أن كل نفس لا تسمع لذلك النبي تباد من الشعب "، فهو نبي واجب السمع والطاعة على كل أحد. ومن لم يسمع له تعرض لعقوبة الله، وهو ما حاق بجميع أعداء النبي - صلى الله عليه وسلم - ، حيث انتقم الله من كل من كذبه من مشركي العرب والعجم، وقد قال المسيح عنه في نبوءة الكرامين - ويأتي شرحها-: "ومن سقط على هذا الحجر يترضض، ومن سقط هو عليه يسحقه " (متى 21/44)، فهو الحجر الصلب الذي يفني أعداءه العصاة، والذي بشر بمقدمه النبي دانيال "وفي أيام هؤلاء الملوك يقيم إله السماوات مملكة لن تنقرض أبداً، ومَلِكها لا يُترك لشعب آخر، وتسحق وتفني كل هذه الممالك، وهي تثبت إلى الأبد، لأنك رأيت أنه قد قطع حجر من جبل لا بيدين، فسحق الحديد والنحاس والخزف والفضة والذهب" (دانيال 2/21 - 45).
وأما المسيح عليه السلام فلم يكن له هذه القوة وتلك المنعة، ولم يتوعد حتى قاتليه، فكيف بأولئك الذين لم يسمعوا كلامه، فقد قال لوقا في سياق قصة الصلب " فقال يسوع: يا أبتاه اغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون" (لوقا 23/34)، فأين هو من خبر ذاك " الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه".
7) من صفات هذا النبي أنه لا يقتل، بل يعصم الله دمه عن أن يتسلط عليه السفهاء بالقتل، فالنبي الكذاب عاقبته "يموت ذلك النبي"، أي يقتل، فالقتل نوع منه، ولأن كل أحد يموت، وهنا يزعم النصارى بأن المسيح قتل، فلا يمكن أن يكون هو النبي الموعود.
وبالرجوع إلى التراجم القديمة للنص نرى أن ثمة تحريفاً وقع في الترجمة ، فقد جاء في طبعة 1844م " فليقتل ذلك النبي "، ولا يخفى سبب هذا التحريف.

السبت، 18 فبراير، 2017

موسى عليه السلام يبشر بظهور نبي ورسول مثله 2

موسى عليه السلام يبشر بظهور نبي ورسول مثله : 
(3) هذا النبي من خصائصه أنه مثل لموسى الذي لم يقم في بني إسرائيل نبي مثله "ولم يقم بعد نبي في إسرائيل مثل موسى الذي عرفه الرب وجها لوجه" (التثنية: 34/10)، وقد جاء في النسخة السامرية من التوراة ما تعريبه: "ولا يقوم أيضاً نبي في بني إسرائيل كموسى الذي ناجاه الله" (التثنية 34/10).
وهذه الخصلة، أي المثلية لموسى متحققة في نبينا - صلى الله عليه وسلم -، ممتنعة في أخيهما المسيح عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، حيث نرى الكثير من أمثلة التشابه بين موسى ومحمد - صلى الله عليه وسلم -، والتي لا نجدها في المسيح، من ذلك ميلادهما الطبيعي، وزواجهما، وكونهما صاحبا شريعة، وكل منهما بعث بالسيف على عدوه، وكلاهما قاد أمته، وملك عليها، وكلاهما بشر، بينما تزعم النصارى بأن المسيح إله، وهذا ينقض كل مثل لو كان.
وقد وصف المسيحُ النبيَ القادم بمثلية موسى، صارفاً إياه عن نفسه فقال: " لا تظنوا أني أشكوكم إلى الآب، يوجد الذي يشكوكم، وهو موسى الذي عليه رجاؤكم، لأنكم لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقونني، لأنه هو كتب عني، فإن كنتم لستم تصدقون كتب ذاك فكيف تصدقون كلامي" (يوحنا 5/45-47)، فسماه موسى المرجو أو المنتظر، لمشابهته له.

 وعن هذا الذي يشكو بني إسرائيل يقول المسيح: " أجاب يسوع: أنا ليس بي شيطان، لكني أكرم أبي وأنتم تهينونني، أنا لست أطلب مجدي، يوجد من يطلب ويدين" (يوحنا 8/49-50).
4) من صفات هذا النبي أنه أمي لا يقرأ ولا يكتب، والوحي الذي يأتيه وحي شفاهي، يغاير ما جاء الأنبياء قبله من صحف مكتوبة " وأجعل كلامي في فمه "، وقد كان المسيح عليه السلام قارئاً (انظر لوقا 4/16-18).
5) أنه يتمكن من بلاغ كامل دينه، فهو " يكلمهم بكل ما أوصيه به ". وهو وصف منطبق على محمد - صلى الله عليه وسلم -، فقد كان من أواخر ما نزل من القرآن عليه - صلى الله عليه وسلم - قوله تعالى: { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً } (المائدة: 3).
وقد وصفه المسيح في نبوءة البارقليط، التي يأتي شرحها، فقال: " وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي، فهو يعلّمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم" (يوحنا 14/26).
ولا يمكن أن يكون المسيح عليه السلام هو ذلك النبي الذي يبلغ كل ما يوصيه به ربه، فقد رفع المسيح عليه السلام، ولديه الكثير مما يود أن يبلغه إلى تلاميذه، لكنه لم يتمكن من بلاغه، لكنه بشرهم بالقادم الذي سيخبرهم بكل الحق، لأنه النبي الذي تكمل رسالته، ولا يحول دون بلاغها قتله أو إيذاء قومه، يقول عليه السلام: " إن لي أموراً كثيرة أيضاً لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن، وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به" (يوحنا 16/12-13).

السبت، 11 فبراير، 2017

موسى عليه السلام يبشر بظهور نبي ورسول مثله 1

موسى عليه السلام يبشر بظهور نبي ورسول مثله :
وينزل موسى عليه السلام عن جبل الطور بعد ما كلمه ربه، فيقول مخاطباً بني إسرائيل: "قال لي الرب: قد أحسنوا في ما تكلموا، أقيم لهم نبياً من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيه به، ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه، وأما النبي الذي يطغى، فيتكلم باسمي كلاماً لم أوصه أن يتكلم به، أو الذي يتكلم باسم آلهة أخرى، فيموت ذلك النبي.
وإن قلت في قلبك: كيف نعرف الكلام الذي لم يتكلم به الرب؟ فما تكلم به النبي باسم الرب ولم يحدث ولم يصِر، فهو الكلام الذي لم يتكلم به الرب، بل بطغيان تكلم به النبي، فلا تخف منه " (التثنية 18 / 17 - 22).
والنص كما هو واضح يتحدث عن نبي عظيم يأتي بعد موسى عليه السلام، ويذكر صفات هذا النبي، والتي نستطيع من خلالها معرفة من يكون.

ويزعم النصارى أن هذا النبي قد جاء، وهو عيسى عليه السلام، فقد قال بطرس في سياق حديثه عن المسيح " فإن موسى قال للآباء: إن نبياً مثلي سيقيم لكم الرب إلهكم من إخوتكم، له تسمعون في كل ما يكلمكم به، ويكون أن كل نفس لا تسمع لذلك النبي تباد من الشعب، وجميع الأنبياء أيضاً من صموئيل فما بعده، جميع الذين تكلموا سبقوا وأنبأوا بهذه الأيام " (أعمال 3/22 - 26)، فبطرس يرى نبوءة موسى متحققة في شخص المسيح.
لكن النص دال على نبينا - صلى الله عليه وسلم - ، إذ لا دليل عند النصارى على تخصيصه بالمسيح، بينما يظهر في النص عند تحليله أدلة كُثر تشهد بأن المقصود به هو نبينا - صلى الله عليه وسلم -. إذ يذكر النص التوراتي أوصاف هذا المبعوث المبشر به:
1) أنه نبي " أقيم لهم نبياً "، والنصارى يدعون للمسيح الإلهية، بل يدعي الأرثوذكس أنه الله نفسه، فكيف يقول لهم: أقيم نبياً، ولا يقول: أقيم نفسي، أو أقيم إلهاً.
2) أنه من غير بني إسرائيل، بل هو من بين إخوتهم أي أبناء عمومتهم "من وسط إخوتهم"، وعمومة بني إسرائيل هم بنو عيسو بن إسحاق، وبنو إسماعيل بن إبراهيم.
ومن المعهود في التوراة إطلاق لفظ " الأخ " على ابن العم، ومن ذلك قول موسى لبني إسرائيل: " أنتم مارون بتخم إخوتكم بنو عيسو " (التثنية 2/4)، وبنو عيسو بن إسحاق - كما سلف - هم أبناء عمومة لبني إسرائيل، وجاء نحوه في وصف أدوم، وهو من ذرية عيسو "وأرسل موسى رسلاً من قادش إلى ملك أدوم، هكذا يقول أخوك إسرائيل: قد عرفت كل المشقة التي أصابتنا" (العدد20/14)، وفي موضع آخر "لا تكره أدومياً لأنه أخوك" (التثنية 23/7). فسماه أخاً، وأراد أنه من أبناء عمومة إسرائيل.

ومثله سمى سفر الأيام الملك صدقيا أخاً للملك يهوياكين، فقال: "أرسل الملك نبوخذ ناصّر فأتى به (أي الملك يهوياكين) إلى بابل مع آنية بيت الرب الثمينة، وملك صدقيا أخاه على يهوذا وأورشليم" (الأيام (2) 36/10)، وهو في الحقيقة عمه، كما نص عليه سفر الملوك، فقال: "ملّك ملك بابل متّنيا عمه عوضاً عنه، وغيّر اسمه إلى صدقيا" (الملوك (2) 24/ 17-18)، فاستخدم لفظ الأخ، ومراده العم، مما يؤكد صحة هذا الاستخدام في قوله: "إخوتهم"، ومراده أبناء عمومتهم.
وعليه فهذا النبي يحتمل أن يكون من العرب تحقيقاً للبركة الموعودة في نسل إسماعيل، وقد يكون من بني عيسو بكر إسحاق. لكن أحداً من بني عيسو لم يدع أنه النبي المنتظر.

الخميس، 2 فبراير، 2017

بشارة يعقوب عليه السلام بشيلون 2

بشارة يعقوب عليه السلام بشيلون :
1) أن تكون من الكلمة سريانية مكونة من كلمتي "بشيتا" و "لوه"، ومعنى الأولى منهما: "هو" أو "الذي"، والثانية (لوه) معناها " له "، ويصبح معنى النبوءة حسب ترجمته المفسرة: " إن الطابع الملكي المتنبئ لن ينقطع من يهوذا إلى أن يجيء الشخص الذي يخصه هذا الطابع، ويكون له خضوع الشعوب ".
2) أن تكون الكلمة محرفة من كلمة " شيلواح " ومعناها: " رسول الله " كما يعبر بالكلمة مجازاً عن الزوجة المطلقة لأنها ترسل بعيداً، وتفسير الكلمة بالرسالة مال إليه القديس جيروم، فترجم العبارة " ذلك الذي أرسل ".(1)
وأياً كان المعنى فإن النبوءة تتحدث عن شخص تدعوه: شيلون. وليس عن المكان المسمى "شيلون" كما ادعى بعض المفسرين، فمن هو شيلون؟
وليس المقصود بزوال الملك زواله حقيقة، بل زوال أحقيته وموجبه من قبل الله، لأن زوال الملك من اليهود لم يوافق ظهور نبي، أياً كان هذا النبي، فالمقصود زوال الاصطفاء والبركة.
ولا يمكن القول بأن شيلون هو موسى، لأن ملوك يهوذا كانوا بعده بقرون، ولا يمكن القول بأنه سليمان، لأن الملك دام بعده في ذريته ولم ترفع به الشريعة، كما لم ترفع بالمسيح الذي ما جاء لنقض الناموس ولم تخضع له شعوب، بل ولا شعب اليهودية الذين بعث إليهم فقال: " لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة " (متى 15 / 24).
والمسيح عليه الصلاة والسلام لم يملك على بني إسرائيل يوماً واحداً، بل هرب منهم لما أرادوا تمليكه عليهم " لما علم أنهم مزمعون أن يأتوا ويختطفوه ليجعلوه ملكاً، انصرف أيضاً إلى الجبل وحده " (يوحنا 6/15).
ولما ادعى عليه اليهود عند بيلاطس أنه يقول عن نفسه بأنه ملك نفى ذلك، وتحدث عن مملكة روحية مجازية غير حقيقية فقال: " مملكتي ليست من هذا العالم، لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكي لا أسلم إلى اليهود " (يوحنا 18/36).

 ولا يمكن أن يكون هذا النبي من بني إسرائيل، لأن مبعثه يقطع صولجان وشريعة إسرائيل كما يفهم من النص، فمن ذا يكون شيلون؟
إنه النبي الذي بشرت به هاجر وإبراهيم " يده على كل واحد " (التكوين 16/12)، والذي قال عنه النبي حزقيال: " يأتي الذي له الحكم فأعطيه إياه " (حزقيال 21/27).
وقد قال المسيح مبشراً بالذي ينسخ الشرائع بشريعته: "لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء، ما جئت لأنقض بل لأكمل، فإني الحق أقول لكم: إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل" (متى 5/17-18). هذا "الذي له الكل"، هو " الذي له الحكم ".
وهو النبي الذي يسميه بولس بالكامل، ومجيئه فقط يبطل الشريعة وينسخها "وأما النبوات فستبطل، والألسنة فستنتهي، والعلم فسيبطل، لأننا نعلم بعض العلم، ونتنبأ بعض التنبؤ، ولكن متى جاء الكامل، فحينئذ يبطل ما هو بعض" (كورنثوس (1) 12/8-10).

 __________
(1) انظر : محمد في الكتاب المقدس، عبد الأحد داود، ص (77 - 85 ، 182 ).

الأربعاء، 25 يناير، 2017

بشارة يعقوب عليه السلام بشيلون 1

بشارة يعقوب عليه السلام بشيلون:
وقد توالى الأنبياء وهم يبشرون بمقدم نبي آخر الزمان، ويذكرون صفاته وأحواله والتي من أهمها أنه ليس من بني إسرائيل كما أنه صاحب شريعة تدوم إلى الأبد، يسحق أعداءه، ودعوتُه تكون لخير جميع الأمم.
وهذه الصفات لم تتوافر في أحد ادعى النبوة سواه، ولا يمكن للنصارى حمل تلك النبوءات التي يقرون في أنها نبوءات، لا يمكن لهم أن يحملوها على غيره - صلى الله عليه وسلم -، إذ موسى وعيسى كانا نبيين إلى بني إسرائيل فقط، وكان موسى صاحب شريعة انتصر أتباعه على أعدائهم، وأما عيسى فلم ينزل بشريعة مستقلة، إذ هو نزل بشريعة موسى وبتكميلها، فهو القائل: "لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء، ما جئت لأنقض بل لأكمل" (متى 5/17)، ولم يقيض له أن ينتصر على أعدائه، بل تزعم النصارى أنهم تمكنوا منه وصلبوه. فكيف يقال بأنه المختار الذي يسحق أعداءه وتترقبه الأمم؟

وأقدم النبوءات الكتابية الصريحة التي تحدثت عن النبي الخاتم جاءت في وصية يعقوب لبنيه قبل وفاته حين قال لهم: "ودعا يعقوب بنيه، وقال: اجتمعوا لأنبئكم بما يصيبكم في آخر الأيام، اجتمعوا واسمعوا يا بني يعقوب، وأصغوا إلى إسرائيل أبيكم ... لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتى يأتي شيلون، وله يكون خضوع شعوب " (التكوين 49/10)، فهو يخبرهم عن وقت زوال الملك والشريعة عنهم في آخر الأيام.
وأما نسخة الرهبانية اليسوعية، فالنص فيها: "لا يزول الصولجان من يهوذا، ولا عصا القيادة من بين قدميه؛ إلا أن يأتي صاحبها وتطيعه الشعوب".
والنص حسب ترجوم يوناثان أوضح، وفيه: "لا يتوقف الملوك والحكام من عائلة يهوذا، ولا يتوقف معلمو الشريعة من نسله حتى يجيء الملك المسيا أصغر أبنائه".(1)
وتختلف التراجم في ثلاث من كلمات النص، فقد أبدل البعض كلمة "قضيب" بالملك أو الصولجان، وكلها بمعنى واحد، وكذا أبدلت كلمة "مشترع" بالراسم والمدبر أو عصا القيادة، وهي متقاربة بمعنى صاحب الشريعة مدبر قومه.
وأما الاختلاف الأهم فكان في كلمة "شيلون" التي أبقتها معجم الترجمات على حالها، وفي تراجم عبرانية أخرى قيل: " إلى أن يأتي المسيح "، وقد فسر القس إبراهيم لوقا "شيلون" بالمسيح، واعتبرها ترجمة صحيحة لكلمة " شيلوه " العبرية، ففيه [كلمة بالعبرية لم يستطع البرنامج قرائتها]، وذكرت الطبعة الأمريكية للكتاب المقدس في هامشها أن كلمة " شيلون " تعني: الأمان، أو: الذي له.
فما هو المعنى الدقيق للكلمة (شيلون) التي تدور حولها النبوءة؟
في الإجابة عن هذا السؤال يرى القس السابق والخبير في اللغات القديمة عبد الأحد داود أن كلمة " شيلون " لا تخرج في أصلها العبري عن معان، أهمها:-
__________
(1) برهان يتطلب قراراً، جوش مكدويل ، ص (175).

الجمعة، 20 يناير، 2017

صفات أمة الملكوت الجديد 3

صفات أمة الملكوت الجديد:
 ويمضي النص ليحكي عن عذاب آخر قادم على يد أمة، بل أمم قوية البطش، وهو سوى العذاب الأول "مع كل هذا لم يرتد غضبه بل يده ممدودة بعد، فيرفع راية للأمم من بعيد ويصفر لهم من أقصى الأرض، فإذا هم بالعجلة يأتون سريعاً، ليس فيهم رازح ولا عاثر، لا ينعسون ولا ينامون ولا تنحل حزم أحقائهم، ولا تنقطع سيور أحذيتهم، الذين سهامهم مسنونة، وجميع قسيهم ممدودة، حوافر خيلهم تحسب كالصوان، وبكراتهم كالزوبعة، لهم زمجرة كاللبوة، ويزمجرون كالشبل، ويهرون ويمسكون الفريسة، ويستخلصونها ولا منقذ، يهرون عليهم في ذلك اليوم كهدير البحر، فإن نظر إلى الأرض فهوذا ظلام الضيق والنور قد أظلم بسحبها " (إشعيا 5/26-30)، فحكى هذا النص شجاعة أصحابه صلى الله عليه وسلم كما قال الله: { محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة } (الفتح: 29).
وفي نص آخر يتحدث أشعيا عن الفرح والبهجة والعز الذي يحصل في ديار قيدار من انتصار هذا النبي.." لترفع البرية ومدنها صوتها، الديار التي سكنها قيدار. لتترنم سكان سالع، من رؤوس الجبال ليهتفوا، ليعطوا الرب مجداً، ويخبروا بتسبيحه في الجزائر، الرب كالجبار، كرجل حروب غيرته، يهتف ويصرخ ويقوى على أعدائه" (إشعيا 42 / 11 - 13).
وكان النص يتحدث عن السبب الذي يدعو لهذا الفرح، ألا وهو ظهور النبي المنتظر " هو ذا عبدي الذي أعضده، مختاري الذي سرت به نفسي، وضعت روحي عليه، فيخرج الحق للأمم، لا يصيح ولا يرفع ولا يسمع في الشارع صوته. قصبة مرضوضة لا يقصف، وفتيلة خامدة لا يطفئ، إلى الأمان يخرج الحق، لا يكل ولا ينكسر حتى يضع الحق في الأرض، وتنتظر الجزائر شريعته " (إشعيا 42/1 - 4)، فمن هو الفاتح صاحب الشريعة الذي لا ينكسر، من ذا الذي أخرج الحق لكل أمم الأرض، إنه محمد - صلى الله عليه وسلم -.

 وقوله: " أو يدفع الكتاب لمن لا يعرف الكتابة ويقال له: اقرأ هذا، فيقول: لا أعرف الكتابة "، يسجل اللحظة العظيمة التي يبدأ نزول الوحي فيها على النبي صلى الله عليه وسلم، ففي صحيح البخاري عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت:.. جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملَك، فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني، فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال: { اقرأ باسم ربك الذي خلق - خلق الإنسان من علق - اقرأ وربك الأكرم } (العلق:1-3). (1)
وما قاله إشعيا عن أمة اليهود صدقه فيه المسيح، حين قال لليهود: "فقد أبطلتم وصية الله بسبب تقليدكم، يا مراؤون، حسناً تنبأ عنكم إشعياء قائلاً: يقترب إلي هذا الشعب بفمه، ويكرمني بشفتيه، وأما قلبه فمبتعد عني بعيداً، وباطلاً يعبدونني، وهم يعلمون تعاليم هي وصايا الناس" (متى 15/6-9).
فهذه النبوءة للنبي إشعيا لم تتحقق حتى زمن المسيح عليه السلام، " لذلك هانذا أعود أصنع بهذا الشعب عجباً وعجيباً، فتبيد حكمة حكمائه ويختفي فهم فهمائه .. أليس في مدة يسيرة جداً يتحول لبنان بستاناً، والبستان يحسب وعراً، ويسمع في ذلك اليوم الصمّ أقوال السفر، وتنظر من القتام والظلمة عيون " (إشعيا 29/14-18).

إنه يتوعدهم بالنبي صاحب السفر المختوم، النبي الذي لا يعرف القراءة ولا الكتابة، ويتحدث قبله عن النبي القارئ الذي لا يقرأ السفر، لأنه مختوم، فالنبي القارئ هو عيسى عليه السلام. (انظر لوقا 4/16-18)، لكنه لن يقرأ السفر المختوم الذي سيقرأه النبي الذي لا يعرف الكتابة "وصارت لكم رؤيا الكل مثل كلام السفر المختوم الذي يدفعونه لعارف الكتابة قائلين: اقرأ هذا، فيقول: لا أستطيع، لأنه مختوم، أو يدفع الكتاب لمن لا يعرف الكتابة ويقال له: اقرأ هذا، فيقول: لا أعرف الكتابة".
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه ح (4).

الأحد، 15 يناير، 2017

صفات أمة الملكوت الجديد 2

صفات أمة الملكوت الجديد:
 وقد قال المسيح لتلاميذه بعد أن قص عليهم مثلاً من أمثال الملكوت (مثل الزرع): " فانظروا كيف تسمعون، لأن من له سيعطى، ومن ليس له فالذي يظنه له يؤخذ منه " (لوقا 8/18).
وهكذا فهذه النصوص ذكرت أول صفة من صفات أمة الملكوت، إنها أمة مرذولة وضيعة لم تتعبد لله ولم ترسل إليها شرائعه، أمة يعجب بنو إسرائيل أن تتحول لها الريادة والاختيار.
ويقول الرب موضحاً صفة أخرى من صفات الأمة الجديدة التي ستنال ميراث البركة والنبوة من بني إسرائيل: "فرأى الرب ورذل من الغيظ بنيه وبناته، وقال: أحجب وجهي عنهم، وانظر ماذا تكون آخرتهم، إنهم جيل متقلب، أولاد لا أمانة فيهم، هم أغاروني بما ليس إلهاً، أغاظوني بأباطيلهم، فأنا أغيرهم بما ليس شعباً، بأمة غبية أغيظهم" (التثنية 32/19-21)، إن الأمة المصطفاة، الأمة التي كانت مرذولة، هي الأمة الجاهلة أو الغبية التي يغيظ الله بها بني إسرائيل، وقد قال الله تعالى عن محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه الكرام: { ليغيظ بهم الكفار } (الفتح: 29).

 وقد كاد بنو إسرائيل لهذه الأمة الجديدة فقالوا: " بأمة غبية أغيظهم " مع أن وصف الغباء لا توصف به الأمم، وإن وصفت بالجهل أو القسوة، فمن هذه الأمة الجاهلة أو الغبية التي ينتقم الله بها من بني إسرائيل؟ إنها أمة العرب { هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين } (الجمعة: 2).
لكن بولس يخطأ ويجعل هذه الأمة الغبية أمة اليونان، فيقول مؤكداً انتقال الملكوت عن بني إسرائيل، لكنه يخطئ في تعيين الأمة الوارثة للملكوت: "لا فرق بين اليهودي واليوناني، لأن رباً واحداً للجميع، غنياً لجميع الذين يدعون به ... لكني أقول: ألعل إسرائيل لم يعلم، أولاً موسى يقول أنا أغيركم بما ليس أمة، بأمة غبية أغيظكم، ثم إشعياء يتجاسر ويقول: وجدت من الذين لم يطلبوني وصرت ظاهراً للذين لم يسألوا عني، أما من جهة إسرائيل فيقول: طول النهار، بسطت يديّ إلى شعب معاند ومقاوم" (رومية 10/12-21)، فهو يؤمن بانتقال الملكوت عن بني إسرائيل، لكنه يجعل الأمة الجديدة أمة اليونان الذين توجه لدعوتهم، وقد آمنوا به كما آمن كثير غيرهم، فلا وجه لخصوصهم به، والمعنى الذي يقصده للملكوت هو الاستجابة لدعوته، وهو معنى يضيق كثيراً عما نذكره من صفات أمة الملكوت العظيمة.
وأيضاً لا يصح أن تكون أمة اليونان هي الأمة الغبية التي ترث الملكوت، لأن اليونان أمة حضارة وعلم، وبولس نفسه يقول عن اليونانيين: "لأن اليهود يسألون آية، واليونانيين يطلبون حكمة" (كورنثوس (1) 1/22)، فكيف يوصف طلاب الحكمة بالغباء أو الجهل؟!

 فالأمة الجديدة هي - ولا ريب - أمة العرب الموعودة بالبركة دون سائر الأمم، وقد جاء في كلام إشعيا متنبئاً بالنبي الذي يظهر منها، فذكر أنه يهرب من قومه، ثم ينتصر عليهم، ويفني مجدهم بعد برهة، ليبدأ بعدها مجد جديد، وهو النبي الذي تسقط على يديه دولة بابل الفارسية، وتنكسر عند قدميه آلهتها المنحوتة فيقول: "قال لي السيد: اذهب أقم الحارس، ليخبر بما يرى، فرأى ركاباً أزواج فرسان، ركاب حمير، ركاب جمال، فأصغى إصغاء شديداً، ثم صرخ كأسد: أيها السيد أنا قائم على المرصد دائماً في النهار، وأنا واقف على المحرس كل الليالي، وهوذا ركاب من الرجال، أزواج من الفرسان. فأجاب وقال: سقطت، سقطت بابل، وجميع تماثيل آلهتها المنحوتة كسرها إلى الأرض.
يا دياستي وبني بيدري، ما سمعته من رب الجنود إله إسرائيل أخبرتكم به، وحي من جهة دومة.صرخ إليّ صارخ من سعير: يا حارس ما من الليل، يا حارس ما من الليل. قال الحارس: أتى صباح وأيضاً ليل، إن كنتم تطلبون فاطلبوا. ارجعوا تعالوا، وحي من جهة بلاد العرب، في الوعر في بلاد العرب تبيتين يا قوافل الددانيين، هاتوا ماء لملاقاة العطشان، يا سكان أرض تيماء وافوا الهارب بخبزه، فإنهم من السيوف قد هربوا .... قال لي السيد: في مدة سنة كسنة الأجير، يفنى كل مجد قيدار " (إشعيا 21/ 6 - 16).
والنص بعد حديثه عن سقوط فارس يعود ليتحدث إلى الددانيين من أهل تيماء، ويطلب منهم حماية الهارب إلى بلادهم الوعرة، ويبشرهم بفناء مجد أبناء قيدار بن إسماعيل بعد برهة بسيطة.
والددانيون كما قال معجم الكتاب المقدس هم سكان تيماء في شمال الحجاز، ولا تخفى الوعورة في تضاريس تلك البلاد، والنص يبشر بانتصار المسلمين بعد سنة أو ثمان في معركة بدر أو فتح مكة على أبناء قيدار، وقيدار هو الابن الثاني لإسماعيل. (انظر التكوين 25 / 13).

 واسم قيدار يطلق أيضاً على البلاد التي غلب عليها ذرية قيدار كما في قوله: "قال الرب: قوموا اصعدوا إلى قيدار" (إرميا 49/ 28)، وهو المراد بقوله " يفنى كل مجد قيدار" ، فهو يبشر بانتصار المسلمين على أبناء بلاد قيدار.
ويقول إشعيا في وصف تلك الأمة: " من أنهض من المشرق الذي يلاقيه النصر عند رجليه دفع أمامه أمماً، وعلى ملوك سلطه، جعلهم كالتراب بسيفه، وكالقش المنذري بقوسه، طردهم، مر سالماً في طريق لم يسلكه برجليه، من فعل وصنع داعياً الأجيال من البدء. أنا الرب الأول، ومع الآخرين أنا هو " (إشعيا 41/2 - 4) وإذا كان النص نبوءة فبمن تحققت النبوءة؟ ومن ذا المسلط على الشعوب من قبل الرب الآتي من المشرق؟ وهي ما قد يطلق على بلاد العرب كما جاء في إرمياء "اصعدوا إلى قيدار، أخربوا بني المشرق " (إرمياء 49/28).
ولقد كان المسلمون هم الأمة التي عذب الله بني إسرائيل على يديها، بعد أن عذبهم على يد بختنصر " لأنهم رذلوا شريعة رب الجنود واستهانوا بكلام قدوس إسرائيل، من أجل ذلك حمي غضب الرب على شعبه، ومد يده عليه وضربه حتى ارتعدت الجبال، وصارت جثثهم كالزبل في الأزقة" (إشعيا 5/24-25).

الثلاثاء، 10 يناير، 2017

صفات أمة الملكوت الجديد1

صفات أمة الملكوت الجديد :
لما بدل بنو إسرائيل وغيروا نزع الله عنهم النبوة والكتاب، ودفعه لأمة أخرى، وحصل ما كان الأنبياء يحذرون منه بني إسرائيل، ألا وهو انتقال الخيرية إلى سواهم. فمن هي الأمة الجديدة، وما صفاتها؟
في الإجابة عن هذا السؤال الهام نتأمل أسفار الكتاب المقدس لنقف منها على صفات هذه الأمة الجديدة.
يقول إشعيا على لسان الوحي: " أصغيتُ إلى الذين لم يسألوا، وُجِدت من الذين لم يطلبوني، قلت: ها أنذا ها أنذا لأمةٍ لم تسمَّ باسمي.
بسطت يدي طول النهار إلى شعب متمرد سائر في طريق غير صالح وراء أفكاره، شعب يغيظني بوجهي دائماً.... " (إشعيا 65/1 - 3).

فقد ذكر النص انتقال النبوة والأمر عن الأمة القاسية العاصية إلى أمة لم تطلب الله قبل، ولم تسم باسم الله. إنها الأمة الأمية التي لم ينزل عليها كتاب.
ويؤكد حزقيال رفع الملك والشريعة من بني إسرائيل، ودفعه لأمة مهملة وضيعة، فيقول: " إني أنا الرب، وضعتُ الشجرة الرفيعة، ورفعتُ الشجرة الوضيعة، وأيبستُ الشجرة الخضراء، وأفرختُ الشجرة اليابسة، أنا الربُ تكلمت وفعلت " (حزقيال 17/32).
وقال يوحنا المعمدان في سياق تحذيره بني إسرائيل من الغضب الآتي الذي سيسلطه الله عليهم : " والآن قد وضعت الفأس على أصل الشجر، فكل شجرة لا تصنع ثمراً جيداً تقطع وتلقى في النار، أنا أعمدكم بماء التوبة، ولكن الذي يأتي بعدي هو أقوى مني، الذي لست أهلاً أن أحمل حذاءه، هو سيعمدكم بالروح القدس ونار" (متى 3/10-11)، (وانظر مثل التينة التي لا تثمر في لوقا 13/6-9) لقد كان المسيح الفرصة الأخيرة للإبقاء على الاصطفاء والاختيار، فقد وضع الفأس على أصل الشجرة، فلما كفروا به وحاولوا قتله، قطعت الشجرة الخضراء ويبست، ودفعت للنار، نار الغضب الإلهي والضلال، وأزهرت شجرة أخرى كانت يابسة.
نعم، لقد أيبس الله شجرة بني إسرائيل وأحرقها، وأفرخ شجرة أخرى كانت يابسة لم تظهر فيها النبوات من لدن إسماعيل عليه السلام، فكانت هي الأمة التي سلطها الله على بني إسرائيل، وهو أمر لا يخفى على من تأمل حاله عليه الصلاة والسلام مع يهود بني النضير ثم يهود بني قينقاع ثم فتكه ببني قريظة، وقضاؤه على آخر تجمعاتهم في جزيرة العرب، في غزوة خيبر.
ويقول النبي حزقيال أيضاً: " أنت أيها النجس الشرير رئيس إسرائيل الذي قد جاء يومه في زمان إثم النهاية، هكذا قال السيد الرب: انزعِ العمامة وارفعِ التاج، هذه لا تلك، ارفعِ الوضيع، وضعِ الرفيع، منقلباً، منقلباً، منقلباً أجعله، هذا لا يكون حتى يأتي الذي له الحكم، فأعطيه إياه " (حزقيال 21/25 - 27).

فإذا جاء صاحب الحكم، النبي الخاتم، تنقلب الأمور، وترفع العمامة أي تنسخ الشريعة من بني إسرائيل، فالعمامة رمز للكهنة الهارونيين الموكلين بأمر الشريعة في أسباط بني إسرائيل، والذين أمروا بملابس خاصة، منها العمامة. (انظر الخروج 28/36-37) كما يرفع التاج (الملك).
وحينئذ تصبح الأمة المرذولة أمة مختارة، والأمة المختارة أمة مرذولة، كما قال داود: " الحجر الذي رفضه البناؤون قد صار رأس الزاوية، من قبل الرب كان هذا، وهو عجيب في أعيننا " (المزمور 118/22 - 23) لكنه حقيقة.
وقد ضرب المسيح للتلاميذ مثل الكرامين - كما سيأتي - ثم قال: " الحجر الذي رفضه البناؤون هو قد صار رأس الزاوية، من قبل الرب كان هذا، وهو عجيب في أعيننا، لذلك أقول لكم: إن ملكوت الله ينزع منكم، ويعطى لأمة تعمل أثماره " (متى 21/42 - 43).

الاثنين، 2 يناير، 2017

هل الاصطفاء في بني إسرائيل فقط؟

هل الاصطفاء في بني إسرائيل فقط؟
تتحدث النصوص الإنجيلية بتناقض ظاهر عن موضوع الخلاص الآتي، فحسب يوحنا فإن المسيح قال للسامرية في سياق حديثه عن المسِيّا: "لأن الخلاص هو من اليهود" (يوحنا 4/22). لكن هذا الأمر ترده الكثير من النصوص الإنجيلية والتوراتية الأخرى، والتي تلقي بظلال الشك على صحة صدور هذه العبارة من المسيح، خاصة أنها ظاهرة الإدراج في السياق الذي وردت فيه.
ونرى هنا من الأهمية بمكان أن نذكر نصوص الكتاب المقدس التي تدل على احتمالية انتقال النبوة عن بني إسرائيل إلى أمة سواهم كالعرب؟
لقد أرسل الله أنبياء كثر إلى بني إسرائيل، فكفروا بهم وقتلوهم، ولنتأمل ما قاله الأنبياء عن هذه الأمة المتمردة، لنرَ إن كانت مستحقة لدوام البركة والاصطفاء، فقد قال عنهم موسى: "إنهم أمة عديمة الرأي ولا بصيرة فيهم، لو عقلوا لفطنوا بهذه وتأملوا آخرتهم" (التثنية 32/28).
وقال: "جيل أعوج ملتو، ألرب تكافئون بهذا يا شعباً غبياً غير حكيم؟" (التثنية 32/5-6).
وكذا قال النبي إيليا: " قد غِرت غيرة للرب إله الجنود، لأن بني إسرائيل قد تركوا عهدك ونقضوا مذابحك وقتلوا أنبياءك بالسيف، فبقيت أنا وحدي، وهم يطلبون نفسي ليأخذوها" (الملوك (1) 19/10).
وكذا كان وصف الله لهم في سفر النبي حزقيال: "وقال لي: يا ابن آدم، أنا مرسلك إلى بني إسرائيل، إلى أمة متمردة قد تمردت عليّ، هم وآباؤهم عصوا عليّ إلى ذات هذا اليوم. والبنون القساة الوجوه، والصلاب القلوب، أنا مرسلك إليهم، فتقول لهم: هكذا قال السيد الرب، وهم إن سمعوا وإن امتنعوا. لأنهم بيت متمرد. فإنهم يعلمون أن نبياً كان بينهم، أما أنت يا ابن آدم فلا تخف منهم، ومن كلامهم لا تخف ... وأنت ساكن بين العقارب، من كلامهم لا تخف، ومن وجوههم لا ترتعب، لأنهم بيت متمرد، وتتكلم معهم بكلامي، إن سمعوا، وإن امتنعوا، لأنهم متمردون" (حزقيال 2/3-8).

وكذا قال عنهم النبي إشعيا: "اسمعي أيتها السماوات وأصغي أيتها الأرض، لأن الرب يتكلم، ربيت بنين ونشأتهم، أما هم فعصوا عليّ، الثور يعرف قانيه، والحمار معلف صاحبه، أما إسرائيل فلا يعرف، شعبي لا يفهم، ويل للأمّة الخاطئة، الشعب الثقيل الإثم، نسل فاعلي الشر، أولاد مفسدين، تركوا الرب، استهانوا بقدوس إسرائيل، ارتدوا إلى وراء، على أي موضع تضربون بعد.تزدادون زيغاناً، كل الرأس مريض، وكل القلب سقيم. من أسفل القدم إلى الرأس، ليس فيه صحة، بل جرح وإحباط، وضربة طرية لم تعصر، ولم تعصب، ولم تلين بالزيت" (إشعيا 1/1- 6).
وما يزال غضب الله بهم حتى رفع البركة عنهم، وأحلّهم غضبه وانتقامه ولعناته" والآن إليكم هذه الوصية أيها الكهنة، إن كنتم لا تسمعون ولا تجعلون في القلب لتعطوا مجداً لاسمي، قال رب الجنود: فإني أرسل عليكم اللعن، وألعن بركاتكم، بل قد لعنتها، لأنكم لستم جاعلين في القلب، ها أنا ذا أنتهر لكم الزرع وأمدّ الفرث على وجوهكم" (ملاخي 2/1-3).
ولما جاء المسيح نادى أورشليم: " يا قاتلة الأنبياء " (متى 13/37)، لكثرة مَن قتلوا على ثراها من أنبياء الله الكرام.
وقال المسيح وهو يخاطب جموعهم: " ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون .. ويل لكم أيها القادة العميان .. أيها الجهال والعميان .. أيها الحيات أولاد الأفاعي كيف تهربون من دينونة جهنم، لذلك ها أنا أرسل إليكم أنبياء وحكماء وكتبة، فمنهم تقتلون وتصلبون، ومنهم تجلدون في مجامعكم ... يا أورشليم يا أورشليم، يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين" (متى 23/13 - 37).
لذا حرمهم الله من أن يكون النبي الموعود القادم منهم، لأنهم نقضوا عهد الله وميثاقه، فلن يكون القادم من ذرية داود عليه السلام، أي لن يكون هو المسيح عليه صلوات الله وسلامه، فقد قال لهم: " إن نقضتم عهدي .. فإن عهدي مع داود عبدي ينقض، فلا يكون له ابن مالكاً على كرسيه" ( إرميا 33/20 - 21 ).

لقد كان السبب الرئيس في كراهية اليهود للمسيح - عليه السلام - أنه صدع بالحقيقة بين ظهرانيهم، فأعلمهم أن ملكوت الله واصطفاءه سينزع منهم ، ويعطى لأمة أخرى، وإذا أردنا إثبات ذلك؛ فإننا نعود إلى أول محاولة آثمة راموا منها قتله ، وذلك حين حدثهم عن انصراف النبي إيليّا عن أرامل بني إسرائيل إلى أرملة صيداوية، وأن النبي أليشع طهر نعمان السرياني دون سائر البرص الذين كانوا في بني إسرائيل (انظر لوقا 4/25-27)، فكانت النتيجة أن " امتلأ غضباً جميع الذين في المجمع حين سمعوا هذا، وأخرجوه خارج المدينة، وجاؤوا به إلى حافة الجبل الذي كانت مدينتهم عليه حتى يطرحوه إلى أسفل" (لوقا 4/28-29)، فكان هذا أول الشرر بين اليهود والمسيح - عليه السلام -.
وبعد فأسأل القارئ الكريم: أهذه الأمة التي توعدها الأنبياء تستحق بقاء البركة والنبوة فيها؟ وإن كان الجواب: لا، فمن ذا الأمة التي تكون مختارة ومصطفاة؟ من عساها تكون سوى الأمة الموعودة بالبركة مراراً من نسل إسماعيل عليه السلام؟ إن أمة من الأمم لم تدّع أنها تلك الأمة المصطفاة.